لفهم قرار الحكومة التركية إعادة آيا صوفيا إلى صفته السابقة مسجداً، لا بد من العودة إلى أصول العلاقة التي حكمت الدولة البيزنطية الرومية، يونانية الثقافة، بالمسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم

أثار قرار الحكومة التركية إعادة آيا صوفيا إلى صفته السابقة مسجداً ضجةً عالميةً كبيرة على مختلف الصعد، ذلك أن آيا صوفيا لم يكن على مر التاريخ مبنى ذا شأنٍ عادي، بل كان دائماً ذا تأثير عالمي واضح منذ بنائه بشكله الحالي كنيسةً أرثوذوكسية عام 537م، مروراً بتحويله إلى مسجدٍ بدخول السلطان محمد الثاني إلى القسطنطينية فاتحاً عام 1453م، ثم تحويله إلى متحف في عهد الجمهورية التركية عام 1935م، وصولاً إلى قرار الحكومة التركية إعادته مسجداً هذا العام 2020.

فالمبنى عند بنائه بقي زهاء تسع مئة سنةٍ يعتبر أكبر كنيسة في العالم، وكانت آيا صوفيا مركزاً للصراع المسيحي الأرثوذوكسي الكاثوليكي خلال الحروب الصليبية في القرن الثالث عشر الميلادي، وبالتحديد خلال الحملة الصليبية الرابعة عام 1204م، التي غيرت طريقها من القدس لتحط رحالها في القسطنطينية وتعلن إقامة مملكةٍ مسيحية لاتينيةٍ كاثوليكية مركزها آيا صوفيا.

للمزيد حول الموضوع.. يمكنك قراءة:

خطيب المسجد الأقصى يهنئ تركيا والمسلمين بعودة آيا صوفيا مسجداً

وحتى بعد فتح القسطنطينية وتحويلها إلى عاصمةٍ للدولة العثمانية، كان لآيا صوفيا أثرٌ معماري كبير تمثل في محاولاتٍ متعددةٍ للمعماريين العثمانيين، وعلى رأسهم المعماري الكبير سنان، منافسة المبنى ببناء مسجدٍ ذي قبةٍ بنفس الحجم والارتفاع قائمةٍ على أربعة أعمدة، ونتج عن ذلك مسجد السليمانية ومسجد السليمية (في إدرنة) ومسجد السلطان أحمد، وهو ما يبين أن آيا صوفيا احتل مساحةً واسعةً في الذهنية الهندسية والعمرانية والثقافية الإنسانية، ولذلك لم يكن مستغرباً أن يوضع المبنى على لائحة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام 1985م.

لفهم ما حدث مؤخراً، لا بد من العودة إلى أصول العلاقة التي حكمت الدولة البيزنطية الرومية، يونانية الثقافة، بالمسلمين منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن نظرةً سريعةً متفحصةً في التاريخ تفيدنا أن الدولة البيزنطية بثقافتها اليونانية كانت على مر التاريخ أكثر الدول غير المسلمة التي أثرت في العالم العربي والإسلامي، وكانت عقبةً وخصماً دائماً للدول الإسلامية المتعاقبة.

كان ذلك منذ أول اصطدامٍ في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في معركة مؤتة، مروراً بالرسائل في العهد الأموي، والتي كانت تكتب باليونانية، ممَّا حدا بالخليفة عبد الملك بن مروان إلى إعلان تعريب الدواوين وإصدار الدينار الإسلامي، والصدامات مع العباسيين والسلاجقة في فتح عمورية ومعركة ملاذكرد وغيرها من الأحداث.

للمزيد حول الموضوع.. يمكنك قراءة:
أردوغان: فتح آيا صوفيا للعبادة حق سيادي يلبي رغبة الشعب

ًتحتفل تركيا بإعادة اأياصوفيا إلى وضعها الطبيعي جامعا للعبادة
ًتحتفل تركيا بإعادة اأياصوفيا إلى وضعها الطبيعي جامعا للعبادة (TRT Arabi)

بدخول السلطان محمد الفاتح إلى القسطنطينية، فإن همَّ السلطان كان في ذلك الوقت إعلان القضاء التام على هذه الإمبراطورية التي لطالما شكلت بوابة الصراع، ولذلك فقد كان أول ما قام به السلطان محمد الفاتح إعلان تحويل الرمز السياسي البيزنطي الأكبر والأعظم، وهو آيا صوفيا، إلى مسجد، ليضع بذلك حداً نهائياً للدولة البيزنطية التي هيمنت على الثقافة والمجتمع في منطقة شرق المتوسط والأناضول والعراق أكثر من 12 قرناً.

وعند دراسة أبعاد هذه العملية التي قام بها السلطان الفاتح على العالم الإسلامي يتبين أن ما قام به في ذلك الوقت اعتبر تحولاً تاريخياً ضخماً فتح المجال أخيراً للقضاء على النفوذ البيزنطي اليوناني القديم في العالم الإسلامي، لا في الأناضول فقط.

المؤرخان المسيحيان شحادة ونقولا خوري ذكرا في كتاب (خلاصة تاريخ أورشليم المقدسية) أنه بمجرد فتح القسطنطينية وإعلانها عاصمةً للدولة العثمانية، أعلن السلطان المملوكي المعاصر لذلك الحدث في القاهرة الأشرف سيف الدين إينال فوراً إلغاء استعمال اللغة اليونانية في الكنائس الأرثوذوكسية العربية في مصر والشام وبالذات في القدس، وأمر بتعريب الكنيسة الأرثوذوكسية، وأعطى بالتالي مساحةً للمسيحيين الأرثوذوكس أخيراً للخروج من التبعية الإجبارية، بحكم التاريخ، لليونان.

فكان فتح القسطنطينية (التي سميت بإسطنبول لاحقاً) وتحويل آيا صوفيا إلى مسجد نهايةً حقيقيةً للنفوذ الرومي اليوناني، وهو - للعلم – ما تنادي به اليوم الحركة الأرثوذوكسية العربية التي تطالب بإعادة تعريب رأس الكنيسة الأرثوذوكسية التي عادت تعاني من السيطرة اليونانية بعد ضعف الدولة العثمانية.

إن تحويل السلطان محمد الفاتح (كنيسة آيا صوفيا) إلى (مسجد آيا صوفيا) في ذلك الوقت لم يكن يحتاج إلى تبريرات سطحيةٍ من قبيل ادعاء "شراء" المكان من المسيحيين الأرثوذوكس (وهو أمر غير حقيقي لأن الكنيسة الأرثوذوكسية اليونانية لا تجيز بأي حال من الأحوال بيع الكنائس أصلاً، وليس مثل الكنائس الغربية)، بل كان تثبيتاً لحقيقةٍ تاريخية سياسيةٍ جديدةٍ، وهي أن الدولة الجديدة التي تمكنت من إسقاط الإمبراطورية البيزنطية والقضاء عليها قد ورثت كافة أملاكها، وأن الرمزية السياسية للإمبراطورية البيزنطية المتمثلة بآيا صوفيا لم تعد موجودة.

للمزيد حول الموضوع.. يمكنك قراءة:
النص الكامل لخطاب أردوغان التاريخي للأمة حول "آيا صوفيا"
من خطاب الرئيس أردوغان حول إعادة فتح أيا صوفيا مسجداً للعبادة
من خطاب الرئيس أردوغان حول إعادة فتح أيا صوفيا مسجداً للعبادة (TRT Arabi)

وبالتالي فإن أول ما فعله السلطان بعد دخوله إسطنبول كان التوجه إلى آيا صوفيا وطمأنة المدنيين المجتمعين هناك، ثم إعلان الأذان وإقامة الصلاة في آيا صوفيا إيذاناً بنهاية بيزنطة تماماً. وبعد تسع سنوات من تحويل المكان إلى مسجد، قرر السلطان الفاتح تثبيت الواقع الجديد للمسجد بوقف عدد من المناطق على مسجد آيا صوفيا، وهو ما عرف بوقفية آيا صوفيا، التي يستند إليها القانونيون في تثبيت حقيقة أن المسجد بات مملوكاً للمسلمين بالكامل.

من الناحية القانونية، فإن دخول السلطان الفاتح إلى إسطنبول وإسقاط الدولة البيزنطية تماماً كان يعني أن تؤول كافة الأملاك الخاصة بتلك الدولة إلى الدولة العثمانية صاحبة السيادة، ممَّا يعطي السلطان حق التصرف فيها، إذ كان السلطان محمد الفاتح صاحب السلطة الأعلى والحق المطلق في التصرف في ممتلكات الدولة، بحسب القوانين المعمول بها للملوك في ذلك الزمان، باعتباره خلفَ الإمبراطور البيزنطي الأخير (قسطنطين الحادي عشر) في المُلكِ على إسطنبول (حتى إنه لقب في البداية بإمبراطور الروم)، وبذلك كان له الحق الكامل في التصرف بآيا صوفيا وتحويلها إلى مسجد.

ثم خصص قرىً وعقاراتٍ في وقفيته الشهيرة ليصرَف منها على مسجد آيا صوفيا، في تأكيدٍ تامٍّ أن المسجد بات من ممتلكات الدولة التي يمثلها السلطان شخصياً في التصرف في شؤونها، ولذلك سميت وقفيته (وقفية أبي الفتوح محمد على مسجد آيا صوفيا). وتكريماً للسلطان محمد الفاتح فقد بقيت الوقفية باسمه حتى اليوم.

لهذه الأسباب والحيثيات كان قرار تحويل آيا صوفيا إلى متحف، الذي اتخذ بتاريخ 1934/11/24، مغلوطاً من الناحية الشرعية والقانونية، لأن آيا صوفيا أصبح مسجداً بقرار من أعلى سلطةٍ في الدولة العثمانية، والسلطان كان يمثل الدولة في التصرف بكافة أملاك وعقارات الدولة البيزنطية التي سقطت (وخاصةً آيا صوفيا)، وذلك لأسباب سياسية تتعلق بكون آيا صوفيا رمزاً سياسياً للدولة البيزنطية. وأما تحويله إلى متحف فإنه لم يكن أكثر من تعبيرٍ عن القطيعة مع التاريخ العثماني، وهو ما كان يخالف الطبيعة الثقافية للشعب التركي.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي