مسنة بوسنية  (Reuters)
تابعنا

ثمة مخاوف جدية محلية وقارية ودولية من عودة الحرب الأهلية إلى جمهورية البوسنة الاتحادية على خلفية التوجهات الانفصالية لصرب البوسنة، وردود الأفعال الخجولة حتى الآن والتي ستتصاعد حتماً في المستقبل مع استيعاب التداعيات الكارثية للانفصال الذي قد يأخذ الجمهورية والبلقان كلها الى حرب، بل حروب أهلية جديدة.

إنكار جرائم الحرب يشعل الأزمة

بدأ الأمر مع رفض مسؤولين ونواب من صرب البوسنة يوليو/تموز الماضي الموافقة على قانون يجرّم إنكار جرائم الحرب التي تم ارتكابها بالجمهورية في تسعينيات القرن الماضي، ثم تصريحات رئيس جمهورية صرب البوسنة وممثلها في المجلس الرئاسي الاتحادي الثلاثي ميلوراد دوديك أوائل نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن نيته إنشاء جيش خاص بالجمهورية الصربية التي تتمتع بحكم ذاتي موسع.

وأخيراً تصويت البرلمان التابع لها الجمعة 10 ديسمبر/كانون الأول الجاري ولكن دون أغلبية كبيرة لصالح الانسحاب من المؤسسات الفدرالية المركزية الثلاث الجيش والقضاء والجهاز الضريبي خلال الستة أشهر القادمة ما يعني في حال حدوثه الانفصال رسمياً عن الجمهورية البوسنية.

اتفاق دايتون للسلام كان قد أنهى الحرب الأهلية التي اندلعت مع تفكك جمهورية يوغسلافيا السابقة وإعلان كرواتيا والبوسنة الاستقلال عنها، والتي أدت إلى سقوط قرابة مائة ألف قتيل وتهجير ملايين آخرين، بينما أسس الاتفاق لإقامة جمهورية بوسنية اتحادية تتكوّن من جمهوريتين: واحدة مسلمة كرواتية وأخرى صربية تتمتعان بالحكم الذاتي الموسع ضمن اتحاد فدرالي يقوده مجلس رئاسي ثلاثي يضم ممثلين للفئات الثلاث المسلمة والكرواتية والصربية.

ماذا يريد زعيم صرب البوسنة؟

دوديك زعيم صرب البوسنة منذ 15 سنة كان اشتراكياً ديمقراطياً مؤيداً لأوروبا، قبل أن يتحوّل إلى قومي يميني متطرّف، معلناً عن نيته تشكيل جيش صربي خاص والشروع الفعلي في الانسحاب من المؤسسات الفدرالية خلال الشهور القادمة مما يعني عملياً تفكيك الجمهورية الاتحادية والانفصال عنها تمهيداً للانضمام إلى جمهورية صربيا.

أمر مماثل يمكن أن يفعله كروات البوسنة أيضاً عبر الانضمام إلى كرواتيا ما يعني بقاء المسلمين وحدهم، علماً بأنهم يمثلون الأغلبية في جمهورية اتحادية يبلغ تعداد سكانها ثلاثة ملايين ونصف تقريباً.

ثمة أسباب عديدة لمواقف زعيم صرب البوسنة دوديك، فقد سعى إلى رفع سقف خطابه القومي المتطرّف رغبة منه في إعادة انتخابه زعيماً لصرب البوسنة وبالتالي ممثلها بالمجلس الرئاسي في الاستحقاق الانتخابي العام القادم.

هناك سبب داخلي آخر يتعلق بالرغبة في لفت الانتباه عن الاتهامات لدوديك وفريقه بل الطبقة الحاكمة بالفساد وهدر المال العام، وارتفاع نسبة البطالة إلى 30 في المائة تقريباً. وهذه وصفة معروفة للفاسدين والفاشلين فيما يشبه الهرب إلى الأمام.

ما يفعله دوديك يتسق أيضاً مع أجواء اليمين المتطرّف في أوروبا الشرقية تحديداً والعالم بشكل عام، ويبدو أن رحيل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لم يُنهِ الأجواء التي أسهم في تأجيجها محلياً وأوروبياً وعالمياً.

زعيم صرب البوسنة يتماهى كذلك مع السياسة الروسية القومية المتطرّفة، ورغبة موسكو في استعادة نفوذها عبر حلفائها القدامى وتحديداً السلاف الأرثوذكس (الصرب) علماً بأن دوديك لم يُخفِ أصلاً دعم روسيا له، والذي سمعه خلال لقاءاته المتعددة مع فلاديمير بوتين في موسكو ووزير خارجيته سيرغي لافروف في بلغراد.

دوديك يتمتع بدعم صربيا الصريح له أملاً في استعادة نفوذها، وحتى الرد على استقلال إقليم كوسوفو عنها عبر استعادة جمهورية صرب البوسنة إلى أحضانها.

مواقف إقليمية ودولية لينة

في السياق لا بد من الإشارة إلى موقف ضبابي لكرواتيا التي تمتلك مصالح معه أيضاً، كما أن زغرب لا تمانع الانفصال الصربي أملاً في ضمّ مناطق كروات البوسنة إليها.

في الأسباب أيضاً، لا بد من الإشارة إلى الشعور بضعف الاتحاد الأوروبي وعجزه عن التصدي للسياسات الانفصالية، كما حصل مع شبه جزيرة القرم خاصة أن الاتحاد لم يفُق بعد من صدمة خروج بريطانيا، إضافة إلى رحيل زعيمته الفعلية المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والاستعداد لانتخابات رئاسية حاسمة في فرنسا العام القادم قد تطيح بالرئيس إيمانويل ماكرون، علماً بأن الأجواء الانتخابية الفرنسية تشهد صعوداً لليمين المتطرّف الذي يتماهى معه زعيم صرب البوسنة.

دوديك يتشجّع بالتأكيد من الانكفاء الأمريكي عن المنطقة والتوجّه شرقاً باتجاه آسيا، والتفرّغ للتحدي الصيني وتفضيل واشنطن اعتماد الخيارات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية واستبعاد القوة والخيار العسكري لحلّ النزاعات، كما تعلن دائماً إدارة جو بايدن.

أما فيما يتعلق بالاحتمالات فأمر الانفصال غير محسوم طبعاً، وإذا تصاعدت ردود الأفعال السياسية والدبلوماسية عما نراه الآن فربما يتراجع زعيم صرب البوسنة خاصة أن رفع سقف الخطاب يتعلق بالرغبة في إعادة انتخابه مع الانتباه إلى وجود معارضة داخلية لا يستهان بها ترى في الأمر مخاطرة غير مأمونة العواقب.

داخلياً أيضاً، ثمة رفض شعبي للاقتتال والعودة للحرب الأهلية التي لم يُشْفَ البوسنيون على اختلاف شرائحهم من جروحها، إضافة إلى المشاكل التي تعاني منها صربيا نفسها ورغبتها في الانضمام للاتحاد الأوروبي، علماً بأنها دولة مرشحة للانضمام وأي موقف سلبي أو مشجّع على الانفصال سيعرقل بالتأكيد المفاوضات بل وسيجلب عقوبات أوروبية ودولية ضدها.

عموماً، لا انفصال سلمي أو سلس كما يزعم دوديك وإنما بالقوة والعنف مما سيؤدي حتماً إلى حرب أهلية جديدة قد تشعل البلقان لنسيجه الحساس الهشّ والقابل للاشتعال وردّ فعل أمريكا قد لا يكون بالضرورة دبلوماسياً وهادئاً، كما هو الآن، خاصة مع الشعور بالأصابع الروسية خلف التحرك الصربي وأوروبا نفسها قد تغادر مربع القلق والإدانة، وتتخذ موقفاً مختلفاً إذا ما اندلع الحريق في فنائها الجيوبوليتكي المباشر.

التطورات على الجبهة الأوكرانية قد تكون مؤثرة ومهمة جداً للمشهد البوسني بمعنى أن قيام روسيا باجتياحها واحتلالها سيشجع حتماً صرب البوسنة على المضي قدماً في مخططهم الانفصالي حتى النهاية، خاصة إذا ما ووجه الخيار الهجومي الروسي بمواقف أوروبية أمريكية سياسية دبلوماسية واقتصادية لا تغيّر الوقائع على الأرض أو تعرقل مسعى الرئيس بوتين للهيمنة على الفضاء السوفييتي، علماً أنه خيار نظري تتحسب منه موسكو جدياً خشية الغرق في الوحل الأوكراني، وتلقّي عقوبات قاصمة لاقتصادها الضعيف أصلاً.

في الأخير تبدو الاحتمالات متساوية بين التصعيد والتهدئة لكن ما يمكن تأكيده هو أن البوسنيين ليسوا وحدهم وبإمكانهم طبعاً الاعتماد على تركيا حيث تم إبلاغ رسائل بهذا المعنى خلال زيارة وفد تركي رسمي إلى سراييفو. وكذلك خلال استقبال الرئيس رجب طيب أردوغان لممثلين عنهم، وقيامه شخصياً بوساطة لحلّ الأزمة بما فيها لقائه دوديك نفسه. واضعين في الاعتبار أن الرئيس البوسني الراحل علي عزت بيغوفيتش قد ترك فيما يشبه الوصية "البوسنة أمانة في عنق تركيا"، كما قال ذات مرة للرئيس رجب طيب أردوغان.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي