العودة إلى الخرطوم.. حين تصبح استعادة العاصمة شرطاً لبقاء الدولة
العالم
6 دقيقة قراءة
العودة إلى الخرطوم.. حين تصبح استعادة العاصمة شرطاً لبقاء الدولةيناقش المقال عودة الخرطوم بوصفها معركة لإعادة تثبيت الدولة المركزية في السودان، حيث ترتبط استعادة العاصمة بإحياء الاقتصاد والشرعية، وسط عودة جزئية للسكان وتعافٍ هشّ للخدمات والبنية التحتية.
قبل الحرب، كانت الخرطوم تساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي للسودان، وتضم الثقل الأكبر للأنشطة الخدمية والمالية والصناعية الخفيفة / Reuters
منذ يوم واحد

لم تكن الخرطوم في تاريخ السودان الحديث مجرد عاصمة إدارية، بل مثّلت في كل المراحل المفصلية تجسيداً لفكرة الدولة المركزية نفسها. فمنذ نشوء الدولة الوطنية في السودان، تركزت فيها مؤسسات السيادة والجيش والبيروقراطية والاقتصاد والنخب السياسية، ما جعل السيطرة عليها مرادفاً لبقاء الدولة أو انهيارها.

من هذا المنطلق لم تكن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 صراعاً تقليدياً على النفوذ، بل محاولة مباشرة لكسر المركز عبر استهداف العاصمة بوصفها قلب الدولة السياسي والاقتصادي.

لذلك ينظر الجيش السوداني إلى الخرطوم باعتبارها عقدة مصير الدولة، ففقدانها يعني تَعطُّل القيادة والاقتصاد والشرعية، فيما تُعَدّ استعادتها لحظة مفصلية لإعادة تأسيس مركز الدولة.

من هنا تُفهَم العودة التدريجية إلى الخرطوم وفتح المؤسسات الرسمية بوصفها جزءاً من معركة سياسية-اقتصادية موازية، تهدف إلى إعادة تثبيت فكرة الدولة المركزية بوصفها شرطاً لبقاء السودان موحداً.

استهداف الخرطوم.. استهداف القلب  

قبل الحرب كانت الخرطوم تساهم بنحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي للسودان، وتضم الثقل الأكبر للأنشطة الخدمية والمالية والصناعية الخفيفة، إضافة إلى المقرات الرئيسية للبنك المركزي والبنوك وشركات الاتصالات والأسواق الاستراتيجية. ومع اندلاع القتال تعرضت هذه المراكز للتدمير أو النهب أو التعطيل، ما أدى إلى شلل واسع في الاقتصاد الرسمي.

في المقابل أعادت الحرب تشكيل الاقتصاد عبر صعود أنماط اقتصاد الحرب، من نهب وأسواق موازية وجبايات غير رسمية وشبكات تهريب، وهو ما أضعف الدولة وخلق مصالح مرتبطة باستمرار الفوضى، وزاد صعوبة استعادة السيطرة الاقتصادية لاحقاً.

لذلك تُفهم عودة الحكومة إلى الخرطوم بوصفها محاولة لاستعادة الاقتصاد بقدر ما هي استعادة للسيادة. 

فاستعادة العاصمة لا تكتمل من دون إعادة تشغيل البنوك والخدمات والجباية، إذ إن الحرب لم تستهدف الخرطوم عاصمةً سياسيةً فقط، بل مركزاً للاقتصاد الوطني، ما يجعل معركة العودة إليها اقتصادية بامتياز، لا تقل تعقيداً عن المعركة العسكرية.

الاقتصاد.. التحدي الأول  

عند الحديث عن الاقتصاد في الخرطوم، لا بد من إدراك أن الحراك الاقتصادي قبل الحرب كان عنصراً رئيسياً في قدرة الدولة على الاحتفاظ بوحدتها.

الخرطوم كانت المركز المالي والقطبي للنظام المصرفي والشركات الكبرى واستضافة قطاع الخدمات الذي يدعم الدخل القومي، لهذا فإن استهداف الاقتصاد بدا جزءاً من استراتيجية الهزيمة الشاملة للدولة، لا مجرد إرهاق عسكري.

وفق أحدث بيانات الأمم المتحدة، يشهد السودان واحدة من أكبر أزمات العودة في العالم رغم المستوى الهش من الخدمات والبنية الأساسية، إذ أبلغت المنظمة الدولية للهجرة عن أكثر من 1,000,000 شخص عادوا إلى الخرطوم منذ بداية عام 2025 وحده بعد أن خفّت حدّة القتال في بعض أحياء العاصمة، لكن ما يزال الوضع هشّاً للغاية إذ إن كثيراً من المنازل والأحياء لا يزال مدمَّراً والخدمات الأساسية ما زالت بالكاد تعمل.

 وتوضّح هذه الأرقام أن العودة نفسها تشكّل علامة على صمود المواطنين، لكنها في الوقت ذاته تحذير من هشاشة التعافي، إذ إن ما يقارب ثلاثة أرباع الذين نزحوا من العاصمة لم يعودوا بعد.

هذه العودة بين المدنيين تأتي في وقت يتفاقم فيه انهيار الخدمات والاقتصاد، فبقيت الخرطوم واجهة معطلة للخدمات الأساسية، فيما لا يزال الإرث الاقتصادي للحرب معطَّلاً على نطاق واسع. فوفق بيانات الأمم المتحدة وغيرها من التقارير الدولية، فإن القدرات الإنتاجية للخدمات الصحية والتعليم والشبكات المائية والكهرباء تعاني دماراً واسعاً في عموم البلاد، كما أن اقتصاد السودان ككل يواجه أزمات هيكلية عميقة نتيجة النزاع.

وتشير تقارير OCHA إلى أن أكثر من 30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، بما في ذلك آلاف الأطفال الذين خرجوا من المدارس والمرافق الصحية غير العاملة.

يظهر من هذه البيانات أن العودة إلى الخرطوم لا تحدث في فراغ اقتصادي، بل في بيئة معرضة للانهيار الاقتصادي والاجتماعي. فالخرطوم قبل الحرب كانت محرّكاً اقتصاديّاً حضريّاً لجميع أنحاء السودان، وإذا انهارت محركاتها الإنتاجية فإن ذلك يعني الانعكاس السلبي على الدولة بأكملها.

وهذا ما يفسّر جزئيّاً لماذا يتوافد العائدون إلى العاصمة رغم تردّي الخدمات، فهم لا يجدون في المناطق التي نزحوا إليها فرصاً أفضل، ويمتدّ في الوقت ذاته ارتباطهم العاطفي والاجتماعي بمركز الدولة المكان الذي يرى كثير من السودانيين أنه لا يمكن التخلي عنه حتى في أسوأ الظروف.

وعن التوازن بين العودة واستعادة الدولة المركزية نفسها، فإن بيانات الأمم المتحدة تعكس درجات متفاوتة من التعافي غير المستقر، إذ إن العودة لناحية العاصمة هي جزء من استعادة الحياة الجماعية، لكنها لا تمثّل استعادة وظائف الدولة بكاملها إذا لم تتوفر الخدمات وتُعَدْ شبكات الإنتاج والخدمات الأساسية.

العودة التي يشهدها الواقع الآن تُظهِر رغبة اجتماعية حقيقية في إعادة الحياة إلى الخرطوم، غير أنها تبقى مرهونة باستعادة الوظائف الاقتصادية والبُنى التحتية الأساسية التي تدعمها، فإذا لم يتحقق ذلك فإن كثيراً من العائدين سيجدون أنفسهم بلا فرص عمل ولا خدمات، مما قد يدفعهم إلى النزوح مرة أخرى أو إلى معاناة طويلة الأمد.

لماذا يجب أن تكون العودة نتيجة لتحسن العاصمة؟!

في هذا السياق الاقتصادي-الاجتماعي المعقَّد، جاءت لجنة تهيئة عودة المواطنين إلى الخرطوم، التي قادها عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، بوصفها الأداة الرسمية لترجمة قرار الدولة بالعودة من مستوى الرمز السياسي إلى مستوى السياسات العملية. 

غير أن تقييم هذه اللجنة لا يمكن أن يحدث بمعزل عن السياق الذي تتحرك فيه: مدينة مدمّرة جزئياً، اقتصاد مشلول، خدمات أساسية شبه غائبة، كتلة بشرية هائلة من النازحين والعائدين تتحرك بدافع الضرورة أكثر مما تتحرك بدافع الثقة بقدرة الدولة.

من حيث المبدأ، مثّلت اللجنة اعترافاً رسميّاً بأن العودة إلى الخرطوم لا يمكن أن تُترك للمبادرات الفردية وحدها، وأن الدولة مطالَبة بلعب دور تنظيمي، ولو في حدوده الدنيا. 

وقد ركّزت قرارات اللجنة على تأمين بعض الأحياء، وإعادة فتح جزئية لمقار حكومية، والدعوة إلى العودة التدريجية، بما ينسجم مع المقاربة العامة للجيش التي ترى في إعادة الحياة إلى العاصمة جزءاً من استعادة مركز الدولة.

فوفق بيانات الأمم المتحدة، عاد إلى الخرطوم منذ مطلع عام 2025 أكثر من مليون شخص، وهو رقم كبير ظاهرياً، لكنه يصبح أقل دلالة حين يوضع في سياقه الصحيح. فالخرطوم قبل الحرب كانت تضم ما يزيد على سبعة ملايين نسمة، فيما تجاوز عدد النازحين داخلياً في السودان 9.6 مليون شخص، مع حاجة أكثر من 30 مليون إنسان إلى مساعدات إنسانية. هذه الأرقام تعني أن العائدين إلى العاصمة لا يمثلون سوى جزء محدود من الكتلة التي غادرتها، وأن العودة الجارية هي عودة جزئية، انتقائية، غير متكافئة اجتماعياً واقتصادياً.

الأهم من ذلك أن غالبية العائدين لا يعودون في ظل تحسّن فعلي في شروط الحياة، بل في ظل انسداد البدائل. فالمناطق التي نزحوا إليها تعاني بدورها شُحّ الخدمات، وارتفاع كلفة المعيشة، وغياب فرص العمل، ما يجعل الخرطوم -رغم دمارها- تبدو خياراً اضطراريّاً لا خياراً آمناً. 

هنا تبرز إحدى الإشكاليات الجوهرية في عمل لجنة العودة، فهي تعاملت مع العودة بوصفها قراراً إداريّاً يمكن الدعوة إليه، أكثر من كونها عملية اجتماعية-اقتصادية معقدة تتطلب إعادة تشغيل الحد الأدنى من شروط الاستقرار.

في المحصلة، تكشف تجربة لجنة عودة المواطنين أن استعادة الخرطوم ليست مسألة فتح طرق أو دعوات إعلامية، بل عملية إعادة بناء شاملة، تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، والأمن بالخدمات، والرمز بالمعيش اليومي.

مصدر:TRT Arabi
اكتشف
بعد تحريرها من تنظيم YPG الإرهابي.. سوريا تعيد تشغيل الحقول النفطية شرقي البلاد
غزة.. استشهاد طفلين بقصف الاحتلال وارتفاع حصيلة وفيات الأطفال جراء البرد
إصابات جديدة في غزة جراء خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار والأمم المتحدة تدعو لإنهاء العنف
عودة أكثر من 90% من أهالي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب بعد تحريرهما من YPG الإرهابي
"بسط سلطة الدولة".. "العدل" السورية تتسلم سجن الأقطان في الرقة بعد خروج "YPG" الإرهابي
الحوثيون يحذرون من عرقلة تنفيذ "اتفاق مسقط" بسبب تأخر حسم كشوفات الأسرى
فيدان: مستعدون للمشاركة بقوة دولية في غزة للمساهمة في خطة السلام
انهيار ثلجي يتسبب في مقتل 9 أشخاص شمال غربي باكستان
الإمارات تعلن إنطلاق محادثات ثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أبوظبي
وكالة: مصادر تتحدث عن قيود إسرائيلية محتملة على العائدين إلى غزة مقابل تسهيلات للمغادرين
"لن نتخلى عن أي شِبر".. لبنان يؤكد تمسكه بمزارع شبعا جنوبي البلاد
بلجيكا ترفض إعادة مواطنيها المقاتلين في صفوف "داعش" الإرهابي من سوريا
الداخلية السورية تفكك عبوات ناسفة في الرقة ومقتل 22 مدنياً بنيران YPG الإرهابي يوم الأحد الماضي
أنصار تنظيم YPG الإرهابي يعتدون على شاب رفع عَلم فلسطين في ستوكهولم
احتفالات في الرقة بخروج تنظيم YPG الإرهابي وعودة الحياة إلى طبيعتها في الشيخ مقصود والأشرفية بحلب