يشهد سكان سريلانكا، البالغ عددهم نحو 22 مليون نسمة، انقطاعاً مستمرّاً للكهرباء لفترات تصل إلى 13 ساعة في اليوم، وأزمة وقود خانقة  (AFP)
تابعنا

دفعت الأزمة الاقتصادية الحادة التي تشهدها البلاد منذ عدة أشهر، رئيس الوزراء السريلانكي رانيل ويكرمسينغ إلى الإعلان الأربعاء، عن انهيار اقتصاد بلاده بالكامل، وعدم قدرتها حتى على دفع مستحقات واردات البترول. وتعاني سريلانكا منذ عدة أشهر نقصاً حادّاً في الغذاء والوقود والكهرباء والأدوية، فضلاً عن انعدام القدرة على دفع مستحقات واردات البترول.

وعلى الرغم من أن السبب الرئيسي وراء اندلاع الأزمة هو جائحة كورونا التي تسببت في انخفاض كبير في عائدات السياحة والتحويلات المالية من المغتربين، فإن الحرب الأوكرانية التي دخلت شهرها الخامس الآن زادت الأمور سوءاً بعد أن ارتفعت أسعار السلع الأساسية من غذاء وطاقة إلى مستويات قياسية.

وتسببت الأزمة الاقتصادية السريلانكية في اضطرابات سياسية، وكانت سريلانكا أعلنت في أبريل/نيسان الماضي أنّها ستتخلّف عن سداد مجموع ديونها الخارجية البالغ 51 مليار دولار، بانتظار خطة إنقاذ من صندوق النقد الدولي، في وقت تعاني فيه البلاد نقصاً في العملات الأجنبية، وتواجه أسوأ ركود في تاريخها منذ استقلالها عام 1948.

أصل الحكاية

في أبريل الماضي أعلنت الحكومة أن سريلانكا قد أفلست، وأعلنت أيضاً تعليقاً مؤقتاً لسداد جميع الديون الخارجية، قائلة إن البلاد لم تعُد قادرة على الوفاء بالتزاماتها بسبب ضعف الوضع المالي الناجم عن الصدمات الخارجية والداخلية.

أما الانهيار الذي واجهته الحكومة، بقيادة الرئيس القوي جوتابايا راجاباكسا، فهو ناجم جزئياً عن التأثير المباشر لأزمة كورونا وفقدان السياحة، لكنه تفاقم بسبب الإنفاق الحكومي المرتفع والتخفيضات الضريبية التي أدّت إلى تآكل إيرادات الدولة، وسداد الديون الضخمة للصين، وبلوغ احتياطيات النقد الأجنبي أدنى مستوياتها منذ عقد. في غضون ذلك كان التضخم مدفوعاً من الحكومة بطباعة النقود لسداد القروض المحلية والسندات الأجنبية.

وتمتلك سريلانكا نحو 7 مليارات دولار من خدمة الديون الخارجية لبقية عام 2022، فيما انخفضت الاحتياطيات الأجنبية الصالحة للاستخدام إلى أقل من 50 مليون دولار، في بداية مايو/أيار الماضي، فيما تُقدَّر خدمة الدين الخارجي لسريلانكا بنحو 25 مليار دولار بين العام المقبل وعام 2026.

ما المقصود بإفلاس الدول؟

عموماً لا يمكن مقارنة إفلاس الدول بإفلاس الشركات والأفراد، إذ لا يمكن للمحكمة الدولية أن تقرّر تيسيل أصول الدولة وممتلكاتها للسداد للدائنين، بعكس ما تفعله المحاكم مع الشركات والأفراد. ويحدث الإفلاس عندما تكون الدولة عاجزة عن سداد ديونها السيادية، وغير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية الأخرى مثل دفع الرواتب والأجور ودفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع.

وفيما يرى البعض أن إعلان الدولة إفلاسَها يمثّل فرصة جيدة للإفلات من قبضة الدائنين ومحاولة جريئة لإنقاذ الاقتصاد، لا تخلو مثل هذه الخطوة من تداعيات وخيمة، سواء محلياً أو دولياً. فإلى جانب اندفاع المستثمرين لسحب مدخراتهم من البنوك المحلية ونقلها إلى الخارج، مما يؤدي إلى انهيار القطاع المصرفي وتوقف الأنشطة التجارية والصناعية وتضخُّم الأسعار وتآكل القوة الشرائية، تصبح الدولة المفلسة أقلّ جاذبية للمستثمرين في السندات، خصوصاً عندما تخفض وكالات التصنيف الائتماني الدولية تصنيف الدولة المفلسة الائتماني، أو تصدر تحذيرات بشأن الاستثمار فيها.

تجدر الإشارة إلى أن سيرلانكا ليست الدولة الوحيدة التي أعلنت إفلاسها، إذ سبقتها البرازيل ولبنان في العامين الأخيرين، فضلاً عن أن 50% من دول أوروبا، ونحو 40% من دول إفريقيا، و30% من دول آسيا، أعلنت إفلاسها مرة أو أكثر خلال القرنين الماضيين، كما أن كبرى الاقتصادات العالمية مثل الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وبريطانيا والصين، كانت أعلنت إفلاسها وعجزها عن سداد ديونها الداخلية أو الخارجية خلال القرنين الماضيين.

4 أيام عمل

حسب CNN الأمريكية، أعلنت الحكومة فى سريلانكا يوم 15 يونيو/حزيران الجاري، أنها أقرت تخفيض أيام العمل إلى 4 فى الأسبوع للعاملين بالقطاع العامّ، بسبب نقص الوقود وارتفاع أسعاره. وقالت إن قرار تخفيض أيام العمل الأسبوعية جاء لمساعدة الموظفين على التكيف مع نقص الوقود في البلاد، وارتفاع أسعاره، وتشجيعهم على زراعة موادّ غذائية.

تأتي هذه الخطوة في ظلّ أزمة اقتصادية حادة تتعرض لها سريلانكا، التي يعمل فيها نحو مليون موظف بالقطاع العامّ، تسببت في جفاف مصادر العملة الصعبة، مما جعل البلاد غير قادرة على توفير واردات أساسية مثل الوقود والغذاء والدواء.

فيما قدّر البنك الدولي أن 500 ألف شخص في الجزيرة سقطوا تحت خط الفقر منذ بداية وباء كورونا، بما يعادل خمس سنوات من التقدم في مكافحة الفقر. ويشهد سكان سريلانكا البالغ عددهم نحو 22 مليون نسمة، انقطاعاً مستمرّاً للكهرباء لفترات تصل إلى 13 ساعة في اليوم، وأزمة وقود خانقة، كما تشهد نقصاً في السلع ومستوىً مرتفعاً من التضخم، بعد أن خفضت البلاد قيمة عملتها الشهر الماضي قبل محادثات مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج قروض.

TRT عربي