ألقت الإجراءات المتخذة للوقاية من فيروس كورونا بالسودان بظلالها على العاملين بنظام اليومية البالغ عددهم حسب اتحاد غرفة الصناعات الصغيرة والحرفية مليوني منتسب, توقف أعمالهم أثر تأثيراً مباشراً على أوضاعهم المعيشية

تعبر الكثير من الأوساط الطبية عن خشيتها من تحول القارة الإفريقية لبؤرة انتشار فيروس كورونا وذلك لضعف البنية التحتية الصحية فيها 
تعبر الكثير من الأوساط الطبية عن خشيتها من تحول القارة الإفريقية لبؤرة انتشار فيروس كورونا وذلك لضعف البنية التحتية الصحية فيها  (Reuters)

يطلع الصباح على السودانية آمنة وهي تجلس على سرير "العنقريب" المصنوع من خشب أشجار السنط منسوجاً بالحبال تدعو، في حين تتنقل عيناها بين وجه أمها الساكن وبين الهاتف منتظرة رنينه لعله يحمل إليها حبل نجاة وطعام يوم جديد.

في أيام خلت قبل كورونا وحظر التجوال كان لآمنة جدول عمل منتظم، فالبيوت التي تذهب للخدمة فيها شغلت جزءاً كبيراً من أيام الأسبوع والباقي كانت رنة الهاتف كفيلة بملئه.

عُرفت آمنة بالنشاط والأمانة والصمت، وبهذه الثلاثة بنت لنفسها "سيرة مهنية" حسنة زادت من الطلب على خدماتها.

اعتادت أن تنطلق كل صباح إلى عملها في مناطق بعيدة عن حي "الإنقاذ" الفقير الذي تقطنه، وارتبط بهذا الاسم كثير من البؤس الذي يحيط بها، الحرب في دارفور التي قتل فيها أبوها، النزوح ومعسكراته، برك المياه الآسنة في الطرق الطينية وأكوام القمامة، الأطفال العراة والفقر والفساد الذي تسمع عنه دوماً وتراه في "بيئة عملها" كله كان بؤساً باسم الإنقاذ.

انتظار الحافلات مكابدة مرهقة لآمنة فبرد الخرطوم الجاف الصحراوي في صباحات الشتاء، وحرارة الصيف اللاهبة كلاهما لا يرحم، تأتي الحافلات قليلة العدد مزدحمة تختنق بركابها، حتى يصل كل إلى وجهته.

ما كان القلق يساورها سابقاً إن تأخر الهاتف في الرنين، لكنه استحال مع كورونا ساكناً مقيماً مزعجاً، يذكرها بالتناقص التدريجي للاتصالات التي تدعوها إلى العمل، حتى إنها اقتربت من الانقطاع مع فرض حظر التجوال.

أمثال آمنة كثيرات في بلد تبلغ نسبة الفقر فيه 36%، والبطالة بين الإناث 45%، وملايين اللاجئين والنازحين يملؤون أحزمة الفقر حول الخرطوم، وبين هذه الجموع نزحت آمنة وعائلتها من إقليم دارفور ومآسيه ومليشياته وأمراء حروبه وتجار دمائه.

لم يكن عملها يوماً هيناً، ومتى كان عمل الخادمة كذلك. كانت تُكلف بتنظيف البيت وغسل الأطباق والأواني وكل أصناف العمل المنزلي حتى العصر حين يفرغ الجميع من الغداء، حينها تعود إلى بيتها متعبة وسعيدة بجنيهات تبلغ 250 في بلد يزيد سعر صرف الدولار الواحد فيه على 120 جنيهاً.

تقول آمنة بصوت كسره الحزن: "قليل كان الأجر لكنه كافٍ لمساعدتي وأمي، ونعم كان عملي مرهقاً ولطالما كرهته كما كرهتُ دنيانا وما فيها، لكنه كان يسترنا على الأقل".

وأعلن السودان عن أول حالة لكوفيد 19 في 13 مارس/آذار وكانت لرجل توفي في اليوم السابق بعد زيارته الإمارات مطلع الشهر المذكور، ومنذ نهايات أبريل/نيسان تصاعدت الأرقام حتى تجاوز العدد الكلي 6730 مع 13 يونيو/ حزيران.

وفي 11 أبريل فرضت السلطات السودانية حظر تجول جزئياً على سكان الخرطوم التي تركزت فيها الإصابات، بين 6 مساء و6 صباحاً، وما لبث الحظر بعد أسبوع أن استحال حظراً كاملاً (24 ساعة) في محاولة للسيطرة على تمدد المرض.

وأثرت هذه الإجراءات بشكل كبير على عمال اليوميات، حيث ذكر بيان لاتحاد غرفة الصناعات الصغيرة والحرفية في السودان في يونيو/حزيران الحالي أن مليوني منتسب يعتمدون على الدخل اليومي أثر ارتفاع الأسعار وتوقف أعمالهم تأثيراً مباشراً على أوضاعهم المعيشية.

كما طالب الاتحاد التعاوني النسوي متعدد الأغراض الحكومة الوفاء بالتزاماتها تجاهبائعات الشاي والأطعمة اللاتي تضررن من الإغلاق الشامل، ويبلغ عددهن نحو 12 ألفاً، في حين تفيد تقارير أن الأعداد تتجاوز الرقم المذكور بشكل كبير.

وهرباً من التفكير في رزق اليوم العصيّ تتسلسل آمنة إلى حي السلمة المجاور (جنوب الخرطوم)، حيث تقطن عائلة حليمة خالتها غسّالة الملابس.

حليمة كانت تستقبل أكوام الملابس المتسخة من الزبائن، وتنكب على طشتها تغسل وابنتها عائشة تغلي المياه، هربت آمنة من هذا العمل إلى الخدمة في البيوت لكن كورونا أجبرها على أضيق الطرق!

تغسل حليمة دستة الملابس (12 قطعة) مقابل 40 جنيهاً سودانياً، تبدأ من الساعة التاسعة صباحاً وتدور بها دوامة العمل حتى اقتراب المساء، بين دعك الملابس بالصابون، ثم إزالته بالماء، وعصرها قبل تعليقها على الحبال لتجف، فلا وجود لغسالة ملابس أتوماتيكية تخفف ثلاثة أرباع هذا العمل المضني.

تحمد الله أن عملها لم يوقفه كورونا والحظر كابنة أختها، وإن تضاءل حجمه إلى نصف ما كان عليه سابقاً.

وبينما ينطلق صابر عبد الرحمن الدارفوري من مسجل متهالك مغنياً عن شوق شجي إلى مراع بعيدة، يرتفع صوت فاطمة تحدثهن عن تمكن اللجنة المكلفة بمكافحة فساد رموز نظام عمر البشير السابق من مصادرة أراضٍ تبلغ قيمتها مليارات كانت في حوزة أحدهم.

جدارية بالقرب من وزارة الدفاع في السودان وتعبر عن الدور المحوري الذي لعبته المرأة السودانية في أحداث الثورة السنة الفائتة
جدارية بالقرب من وزارة الدفاع في السودان وتعبر عن الدور المحوري الذي لعبته المرأة السودانية في أحداث الثورة السنة الفائتة (AP)

لم تجد كلمة المليارات الوقع الذي انتظرته فاطمة، فتراءت لها نفسها قبل أعوام وتعجبت في صمت من تغير اهتماماتها، فقبل الثورة لم تكن تأبه بالسياسة "لكن الآن بدأت أدرك أنها تؤثر على كل شيء في حياتنا حتى سعر الصابون الذي نباشر به عملنا".

تسترسل فاطمة مع نفسها "خرجت في التظاهرات وزرت الاعتصام مرات، كانت الثورة موجة من حلم رفعتنا عالياً وأشرفنا من ذلك العلو على وطن مختلف، لكننا الآن حائرون لا ندري ما تلده لنا الأيام".

تنقطع الكهرباء ويخبو صوت الأغنية متعتهم الوحيدة وسط كل هذا العناء، تتلاقى عيون الثلاثة ويردد سكون الفناء ما في الأفئدة "ما علينا" و"لنجتهد في تنظيف ملابس الآخرين فلا أحد يأبه لنا.. أهل السياسة يصارعون على السلطة وأهل الأموال يشغلهم ملء خزائنهم، أما نحن المعدمين اللامرئيين فنقاتل في كل لحظة لنعيش فقط.. ولا ضمان!".

واندلعت في السودان في ديسمبر/ كانون الأول 2018 ثورة شعبية أطاحت بحكم المؤتمر الوطني ورئيسه عمر البشير بعد 30 عاماً شهدت البلاد فيها تدهوراً على الأصعدة كافة.

وزاد الخناق على الاقتصاد نتيجة العقوبات الأمريكية وانفصال جنوب السودان 2011، وهو ما أدى إلى فقدان الخرطوم نحو ثلثي مواردها النفطية، وتدهور قيمة الجنيه الذي وصل إلى 130 للدولار الواحد مايو/أيار 2020، ورافقه ارتفاع متواصل في معدلات التضخم بالبلاد حيث بلغت 98.81% في أبريل/نيسان الماضي.

ولم تزد الأحوال في الفترة الانتقالية تحسناً، إذ يعاني المواطنون بجانب التضخم من شح الخبز والوقود وتردي الخدمات الحاد ونقص الأدوية، في ظل صراعات القوى السياسية المختلفة داخل السلطة وخارجها.

المصدر: TRT عربي