الجامعة الأمريكية في بيروت (Wikipedia)

"إذا أردت أن تعرف عن حضارة ما فانظر إلى عمارتها"...

لطالما اعتُبر فن العمارة مؤشراً إلى الحضارة والثقافة، ولطالما وُصفت العمارة العثمانية لقرون عدة باعتبارها واحداً من أكثر أشكال العمارة فخامةً وقوّة، إذ تركت آثارها في بقاعٍ كثيرة لتبقى شاهدة على عظمة تلك الفترة في الدول التي خضعت لحكم الدولة العثمانية، مثل لبنان، ولا يزال حتى اليوم عديد من المعالم شاهداً على عظمة هذه الحضارة.

ما يعنينا في هذا السياق هو عبق الحضارة العثمانية العالق في تفاصيل الكيان اللبناني، فقد ترك العثمانيون بعد مغادرتهم لبنان كثيراً من المعالم الأثرية والمعمارية والبنائية التي ساهمت في ترسيخ أركان الدولة اللبنانية، كما كانت لهذه الحضارة بصمة ثقافية لا تُمحى، لأن الدولة العثمانية كانت آخر دولة صاحبة حضارة مميزة مرَّت على هذا البلد الذي ظل تحت حكمها طوال 400 سنة.

العمارة العثمانية في لبنان.. آثار بنيوية ومآثر خدماتية

عنها يحدثنا المؤرخ اللبناني د.حسان حلاق، قائلاً إن الدولة العثمانية جعلت بيروت والمناطق اللبنانية كأوروبا وإسطنبول، وإن السلطان عبد الحميد قد أولاها اهتماماً خاصاً بعد جعلها ولاية، وكانت تسمَّى حينها "بيروت المحروسة".

كاتدرائية مار جرجس المارونية ببيروت (Wikipedia)

وفي هذا الصدد أردف حلاق بأنه لا يمكننا اختصار تاريخ استمر مئات السنين بسطور، ولا يمكننا أن نورد جميع ما أنشأته الدولة العثمانية وإبراز الإنجازات الهائلة لهذا الحضور، إلا أنه يمكننا ذكره على سبيل المثال لا الحصر:

القشلة أو الثكنة العثمانيّة الهمايونيّة: وتُعتبر القشلة الهمايونيّة من ملامح بيروت المحروسة، وقد اتخذها المفوَّض السامي الفرنسي مركزاً له في عهد الانتداب الفرنسي، وتُعتبر حالياً المقر الرسمي لرئاسة الحكومة.

عُرفت هذه القشلة الهمايونيّة في ما بعد باسم "السراي الكبير"، تمييزاً لها من "السراي الصغير" الذي هُدم في عهد الانتداب الفرنسي الذي كان هدفه، حسب د.حلاق، القضاء على أي أثر عثماني، ووصف حلاق السراي الكبير بأنه كان يضاهي بجماله قصر فرساي.

وأردف بأنه بالإضافة إلى السراي الحكومي، بُنيَ سراي في كل المدن المهمة في مختلف المناطق اللبنانية كسراي بعبدا الذي لا يزال يُستخدم حتى الآن، وهكذا في كل من صيدا وصور وطرابلس ودير القمر وغيرها.

السلطان العثماني عبد الحميد (Wikipedia)

ومن الأبنية الحكومية الحالية التي بناها العثمانيون وزارة الداخلية والمكتبة الوطنية المطلّتان على حديقة الصنائع التي أنشأها أيضاً العثمانيون، شأنها شأن باقي الحدائق الكبرى في بيروت التي للأسف، كما رأى حلاق، لم تنشئ الدولة فيها حتى الآن حدائق مماثلة.

كما أولت الحكومة العثمانية الأوضاع الصحيّة في بيروت ومختلف المناطق اهتمامها، فأنشأت "الخستة خانة" أو المستشفى العثماني في بيروت.

ومن المؤسسات الرسميّة العثمانية التي ذكرها المؤرخ، مبنى شركة مياه بيروت ومباني إدارات رصف الطرق، ومباني شركة كهرباء بيروت، وإدارات شركة الترامواي، وإدارات السكة الحديد الحجازية، ومركز البوسطة العثمانيّة التي كانت أول وسيلة انتظمت لنقل البريد بواسطة العربات والقوافل المنظمة على طريق بيروت دمشق،وغرفة التجارة والصناعة في بيروت التي لا تزال ناشطة، وسواها من المؤسسات الرسمية أو شبه الرسمية، إضافة إلى مباني مرفأ بيروت وإداراته، المرفأ الذي كان متواضعاً على الرغم من تاريخه وموقعه، جعلته الدولة العثمانية ينافس بأهميته المرافئ العالمية.كما أن إنشاء المصارف قد بدأ فعلياً في الفترة العثمانية، إذ ظهرت المصارف المحلية منها والأجنبية.

كما أثنى د.حلاق على سماحة السلطنة العثمانية واحترامها لكل الأديان ومراعاتها لحقوقها، قائلاً إنها لم تكن طائفية على الإطلاق، والدليل على ذلك أن السلطان عبد الحميد عندما أهدى المسلمين أرضاً لتشييد مسجد في وسط بيروت أهدى الموارنة مقابلها أرضاً لبناء كنيسة مار جرجس المعروفة. وفي هذا السياق أخبرنا أن البطريرك الحويك حزن حزناً شديداً عند سقوط السلطنة قائلاً: "الله يكون بعون الموارنة بعد السلطان عبد الحميد".

كما أشار المؤرخ في هذا الصدد إلى أن كل مساجد بيروت وكنائسها القائمة حالياً شُيّدت في العهد العثماني، بالإضافة إلى كثير من المساجد والزوايا المنتشرة في كل المناطق، كزاوية ابن عرّاف الدمشقي، وزاوية الإمام الأوزاعي في بيروت، والتكيّة القادرية في طرابلس...

ووصف حلاق الدولة العثمانية بأنها دولة مُفترىً عليها، ونعتها بالمتقدمة والعصرية، وذلك يظهر في المؤسسات والصناعات، فما من صناعة حديثة إلا كانت موجودة في بيروت منذ القرن التاسع عشر. أما على الصعيد العلمي فإن المنشآت العلمية الأجنبية المعروفة في بيروت، وهي الجامعة الأمريكية والجامعة اليسوعية والجامعة اللبنانية الأمريكية وكل المؤسسات التعليمية الأجنبية، أُنشئَت بفرمان من السلطان العثماني، ولا تزال قائمة، وهي أشهر من أن تُعرَّف.

الدولة العثمانية ساهمت إلى حد كبير في نهضة جبل لبنان (AA)

ولفت المؤرخ اللبناني إلى أن فرنسا لم تعمّر طوال فترة انتدابها للبنان أي مبنى حكومي، حتى للمندوب السامي الذي كان يستخدم المؤسسات العثمانية، وذلك بالتوازي مع عملها ومن والاها على إقصاء الوجه الحضاري العثماني، من خلال هدم ما أمكن من مخلفات الوجود العثماني بحجة توسيع الطرقات.

الآثار العثمانية.. نسيج عمراني وتنظيم مدني

اعتبر المسؤول عن الحفاظ على الأبنية التراثية في المديرية العامة للآثار المهندس الدكتور خالد الرفاعي، أنه من الناحية التنظيمية في أغلب المدن "القروسطية" (قرون وُسطية) ما حصل من تدخل في هذه المدن، سواء في الشرق أو الغرب، ينضوي تحت مبدأ أن الوظيفة تغلب على النسيج العمراني. فالثورة الصناعية المتبوعة بوجود السيارات حتّمت تدمير جزء من الطرقات الضيقة لتسهيل مرور الآليات، بخاصة العسكرية، حفاظاً على الأمن، والقيّمون على بيروت حينها رأوا ضرورة هدم بعض المعالم العثمانية، تماشياً مع الحداثة التي تتطلب شوارع عريضة وأبنية كبيرة. أما من الناحية الجمالية والتاريخية فقال الرفاعي إن الوظيفية خطأ كبير، وإنه يجب حماية النسيج العمراني.

وأردف بأن لبنان يحتوي على مخزون معماري غني جداً من الأبنية التي تعود إلى الفترة العثمانية، وهي مبانٍ عامة أو خاصة منتشرة في كل المناطق، بخاصة الساحلية. كما أشار إلى أهمية الأثر العثماني في التخطيط المدني، إلا أن غياب قانون يحمي الأبنية التراثية يشكّل خطورة عليها، ففي فترة ما بعد الحرب اللبنانية التي كانت من ضحاياها المعالم العثمانية، هُدمَ من تلك المباني أكثر ممَّا دمّرته الحرب نفسها.

وأسف الرفاعي لأن مديرية الآثار لا تملك إحصاءات كاملة لتلك الأبنية، مشيراً إلى أن الوثائق والمستندات موجودة في تركيا، وأن المديرية لا تملك نسخة للأرشيف، لافتاً إلى أن أغلب الباحثين والمهتمين يتوجهون إلى تركيا للحصول عليها، إلا أن بلدية طرابلس كبرى مدن شمال لبنان، التي تختزن مئات المعالم الأثرية القديمة، معظمها من الطراز العثماني حصلت على كامل الوثائق.

وفي هذا الإطار قال الرفاعي إن أبواب لبنان مفتوحة للباحثين والقيّمين الأتراك للقيام بأبحاثهم عن المخزون الغني للحضارة العثمانية.

يشكّل التاريخ العثماني جزءاً رئيسياً من تاريخ لبنان، وقد ترك العثمانيون فيه بصمتهم بوضوح، عبر دولة امتدّ عمرها لقرون، من آثار فريدة وإنجازات حضاريّة ووجود ثريّ ومؤثّر.

TRT عربي
الأكثر تداولاً