انتقالات قسرية خاض تجربتها ملايين الأشخاص عبر العالم، وكان السبب الأول في ذلك النزاعات الدامية والحروب. من ذلك قصص لأشخاص وعائلات نزحوا من العراق وسوريا نحو مختلف بلدان العالم، وسلطت TRT عربي عليها الضوء.

بلغ عدد اللاجئين والنازحين في العالم عدداً قياسياً، فاق ثمانين مليوناً حتى منتصف عام 2020. يأتي هذا الرقم الذي أفصحت عنه مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في ظل ما يشهده العالم من تداعيات انتشار فيروس كورونا، وشدة وطأة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ملقية بظلالها على اللاجئين في كل بقاع العالم.

انتقالات قسرية خاض تجربتها ملايين الأشخاص عبر العالم، وكان السبب الأول في ذلك النزاعات الدامية والحروب. من ذلك قصص لأشخاص وعائلات نزحوا من العراق وسوريا نحو مختلف بلدان العالم، وسلطت TRT عربي عليها الضوء.

جرح العراق لم يندمل بعد

ما يزال العراق ينزف يومياً العشرات من أبنائه لاجئين فارين من تداعيات الأزمة الإنسانية التي خلفتها الحروب، والتي تدخل فيها فاعلون دوليون ليجعلوا العراق اليوم بلد تطاحنات طائفية.

زيد الفتلاوي صحفي عراقي اشتغل لسنوات مراسلاً لقناة دجلة الفضائية من مدينة الديوانية، اضطر منذ وقت قصير إلى الفرار من العراق نحو مكان مجهول، لا يمكنه الإفصاح عنه لضمان سلامته وسلامة زملائه. حيث إن المليشيات التي تلاحقهم كانت قد قامت بتصفية زميل لهم بالقناة في محافظة البصرة، بعد أن قامت بتهديده في وقت سابق، ما دفعهم إلى مغادرة العراق بعد أشهر دون عودة.

"في بداية احتجاجات تشرين، تعرضت للضرب والتهديد والاعتقال من قبل القوات الأمنية والمليشيات بسبب مواكبة الحدث إعلامياً"، يحكي زيد تفاصيل قصته لـTRT عربي، مؤكداً أن ذلك "لم يكن سوى البداية". يضيف زيد قائلاً: "قام بعض المحسوبين على المليشيات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتحريض ضدي والمطالبة بقتلي، بحجة أني عدو للإمام الحسين وأني استهزئ بشهر محرم".

حجة الداعين لقتل زيد كانت بث حفل غنائي على قناة "دجلة طرب"، التي تنتمي إلى مؤسسة دجلة للإعلام، بينما يعمل زيد الفتلاوي مراسلاً صحفياً لقناة "دجلة الفضائية"، ولا علاقة له بإدارة أو برمجة القناة الطربية للمجموعة الإعلامية، كما وضح ذلك.

أحرق المنتمون إلى المليشيات مقر القناة كاملاً، وبدأت الملاحقة لزيد وزملائه بدعوى أنه "ينتمي إلى مشروع صهيوني هدفه تخريب المحافظات الشيعية". وتمت المطالبة بتصفيتهم، ليضطر الفتلاوي إلى إعلان استقالته بصورة علنية على صفحته على موقع فيسبوك، لكن ذلك لم يوقف التهديدات.

"بدأت ملاحقتي في مكان عملي ومنزلي من قبل جهات مسلحة، تلاها بيان رسمي من قبل الحكومة المحلية بمنع عملي في المحافظة ومطالبة القوات الأمنية بعدم التعاون معي، وهذا ما زاد الوضع سوءاً، فاضطررت إلى ترك عملي و مغادرة منزلي ومحافظتي هرباً إلى مكان أكثر أماناً في انتظار إيجاد حل دائم".

اللاجئون على الحدود (AA)

يختبئ زيد اليوم من خطر الموت على يد مهدديه، إذ ما تزال التهديدات مستمرة بسبب استمراره في نشاطه الإعلامي على مواقع التواصل الاجتماعي، ويحاول جاهداً إيجاد فرصة لإنقاذ حياته خارج العراق. مؤكداً "هناك تخلى الجميع عني أنا وزملائي، الشرطة ونقابة الصحفيين والقنوات الإعلامية بل حتى المنظمات الحقوقية المحلية، كلهم اختاروا صد الأبواب في وجوهنا ولم يحركوا ساكناً لضمان أمننا، فاضطررنا إلى الفرار من جحيم التهديد إلى مكان نأمل الخروج منه أحياء".

الجيران يشتكون الأزمة وموجة اللجوء

ألقت الأزمة الاقتصادية والصحية بظلالها الثقيلة على لبنان، الذي يعتبر أكثر بلدان المنطقة استقبالاً للاجئين المشرقيين الهاربين من أهوال الحروب. ويشتكي العديد من أهل لبنان اليوم التوافد الكبير للاجئين، خاصة السوريين منهم، على بلادهم التي تمر بأزمة غير مسبوقة اقتصادياً واجتماعياً وصحياً.

ويعتبر اللاجئون في لبنان من أشد الفئات تضرراً من الأزمة الاجتماعية الخانقة التي يعيشها البلد، خاصة ارتفاع نسب الفقر والبطالة في صفوف اللبنانيين أنفسهم. ووصل عدد اللاجئين السوريين فقط في لبنان إلى ما يناهز مليوناً ونصف مليون، يعتمدون بشكل شبه كلي على مساعدات المنظمات الدولية والأممية لتدبر شؤون حياتهم.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، قالت مفوضية اللاجئين إن ما يقارب 90% من السوريين في لبنان باتوا يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بـ55% في العام السابق. وفي تغريدة لها على تويتر أكدت المفوضية أن "تسعاً من أصل كل عشر أسر سورية لاجئة في لبنان تعيش حالياً في فقر مدقع".

وزاد من سوء الأوضاع انتشار جائحة كورونا التي جعلت البلاد تحت ضغط اقتصادي أكبر، بسبب الحجر الصحي الذي فُرض على السكان وأغلب القطاعات.

الأمل في بلد ثالث

أما نور فهو لاجئ سوري يبلغ من العمر 25 سنة، فر مع مع عائلته المكونة من 13 فرداً من سوريا إلى لبنان، اضطروا إلى ترك بناتهم الأربع الأصغر سناً في دمشق. يحكي نور قصته لـTRT عربي قائلاً: "وصلت إلى لبنان سنة 2013 بعدما غادرت سوريا أنا وعائلتي على مرحلتين، وتركنا أخواتنا الأصغر سناً في العاصمة مع عائلة لنا هناك، أملاً في استمرارهن في الدراسة وخوفاً عليهن من المجهول حيث سرنا".

اللاجئون السوريون لم ينسوا ويلات الحرب (Getty Images)

كانت الأسباب الأساسية لمغادرة مسقط رأسه "ديريك" السورية أمنية بالأساس، إذ يحكي نور "كنت مطلوباً لخدمة الجيش وهو ما كان يعني في تلك الفترة الذهاب دون عودة وموتاً محتماً، كما أن بيت عائلتنا بـ"ديريك" التي شُدد عليها الخناق من النظام وقتها، قد تم تدميره تماماً وتم حرق مزرعتنا ونهبها، وما كان لدينا خيار سوى الفرار إلى لبنان الذي كان أقرب مكان آمن يمكننا اللجوء إليه".

درس نور في بلده هندسة الديكور، وبرحيله نحو منطقة البقاع الغربي بلبنان رسم مخططات وردية لمستقبله، غير مدرك بأن الوضع لن يتغير كثيراً. وحاول منذ وصوله إلى لبنان إيجاد فرصة عمل وقبل بأجر زهيد.

"إخوتي الصغار واجهوا صعوبات كبيرة في أثناء الحرب، فتدهورت حالتهم النفسية، والعائلة كبيرة جداً وأنا أكبرهم، ما يفرض علي أن أهتم بالجميع"، المسؤولية الكبيرة التي فُرضت عليه في سن صغيرة جعلته يفكر في اللجوء حلاً للنجاة من التشرد وأهوال الحرب.

أضاف نور متحدثاً عن لحظة الوصول إلى لبنان "اكتشفنا أن الوضع صعب للغاية، فاللاجئون هنا يعانون من قلة فرص العمل ومساعدات مفوضية الأمم المتحدة جد هزيلة لا تكفي لقوت الناس اليومي، والأصعب أن السوريين علقوا هناك تماماً ولم يعد باستطاعتهم الخروج نحو بلد آخر". وأشار إلى سوء المعاملة التي يتلقونها بسبب توافدهم على البلد الجار بأعداد كبيرة، ممَّا جعلهم يعتبرون عِبْئاً كبيراً على بلد منهَك اقتصادياً.

من جهة أخرى قال الشاب السوري: إنه "تُشَنُ ضدنا حملات عنصرية، وأيضاً تتعرض الأسر السورية لهجمات واعتداءات وسرقات، وهو ما يؤدي إلى احتقانات بين الطرفين"، لذلك أصبح "البقاء في لبنان مستحيلاً" حسب تعبيره، و"السوريون هنا وصل بهم القهر إلى إحراق أنفسهم أحياء، صحيح أن هناك من استطاع بيع بيته في سوريا وأتى بالمال ليستطيع استثماره في عمل ما، لكن هناك في المقابل أيضاً من أتى من دون دولار واحد في جيبه، نجا بروحه فقط".

وذكر المتحدث أن "المساعدات المقدمة لنا هنا تناهز 12 دولاراً في الشهر للفرد، وهو ما لا يكفينا حتى لأكلنا، والعمل غير متوفر بتاتاً للسوريين إلا لقلة قليلة، والأزمة هنا تخنق الجميع نازحين وأبناء البلد".

لا سبيل للعيش إلا بإعادة التوطين

يقول نور: "العودة إلى سوريا غير ممكنة، الحل أمامنا هو الخروج من لبنان نحو بلد ثالث يتحقق لنا فيه الأمان وعيش إنساني". مؤكداً أن "الوصول إلى الحدود السورية بالنسبة إلى العديد منا يعني الموت المحتم، خاصة الشباب الذين رفضوا الانضمام إلى الجيش". وفي الوقت ذاته يتحدث الشاب البالغ من العمر 25 عاماً فقط بنوع من الإحباط قائلاً: "انتهت حياتي وأُعْدِمَ مستقبلي، كل ما آمله هو مساعدة إخوتي الصغار على الخروج من هنا نحو بلد آخر تُضمن فيه حقوقهم، ويُتِمُونَ فيه دراستهم ويتوفر لهم فيه على الأقل منزل دافئ وأكل".

وتبقى عمليات إعادة توطين اللاجئين المعرضين للخطر، التي تنفذها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، أمل كل من زيد و نور وعائلته وغيرهم من اللاجئين بمختلف دول العالم، الفارين من أهوال الحروب والدمار التي أصابت بلدانهم، وشردتهم وجعلتهم يبتعدون غصباً لا اختياراً.

اليوم هناك ما يقدر بنحو 1.4 مليون لاجئ بحاجة إلى إعادة التوطين في جميع أنحاء العالم، وإعادة التوطين التي تعتبر آلية حماية أساسية للاجئين تبقى الحل الوحيد الذي يُمكنُ من نقل اللاجئين من بلد لجوء إلى دولة أخرى تمنحهم حماية دائمة. ويستفيد منه فقط ضحايا التعذيب أو الناجون أو المعرضون لخطر العنف بما في ذلك العنف الجنسي أو أصحاب الاحتياجات الخاصة، خاصة عندما يتعذر ضمان الحماية القانونية لهم وسلامتهم في البلد المضيف.

TRT عربي