الرئيس البوركينابي السابق توماس سانكارا (Dominique Faget/AFP)

منذ اغتياله في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1987، وحقيقة مقتل توماس سانكارا، الرئيس البوركينابي السابق، تصارع الطمس. كي تنكشف أخيراً عبر محاكمة قررت عدالة البلاد الإفريقية، يوم الاثنين، وبعد مرور 34 سنة عن الاغتيال، إعادة فتح القضية، موجِّهة التهم لخليفته وحليف فرنسا الأوثق؛ الرئيس بليز كومباوري.

محاكمة تريد منها ميريام سنكارا، عقيلة الرئيس المغتال، أن "تعيد الحق لصاحبه وتنكشف الحقيقة أخيراً" في انتظارات "لست وحدي المطالبة بتحقيقها، بل شعب بوركينا فاسو بأكمله". فيما يعدُّ توماس سانكارا أحد الوجوه الأبرز لمسيرة تحرر الشعوب الإفريقية من الهيمنة الاستعمارية الفرنسية ونهبها خيرات القارة، هو الذي رغم فترة حكمه القصيرة قاد سياسات اقتصادية واجتماعية من أجل ذلك، كي يصبح بعدها رمزاً شعبياً لقب بـ "غيفارا إفريقيا".

فتح قضيَّة توماس سانكارا

تزامناً والذكرى 34 لاغتياله، أعادت المحكمة العسكرية بالعاصمة البوركينابية، واغادوغو، فتح قضية مقتل الرئيس السابق توماس سانكارا واثني عشر من رفاقه عام 1987، في انقلاب عسكري قاده وقتها الرئيس المخلوع بليز كومباوري. هذا وسبق أن وجهت المحكمة البوركينابية في أبريل/نيسان الماضي لكومباوري تهم "الضلوع في الاغتيال وتقويض أمن الدولة".

وقد سبق للنيابة العامة البوركينابية في بيان سابق لها، يوم 17 أغسطس/آب الماضي، تحديد موعد المحاكمة. وأورد البيان ذاته الذي أتى إعلاماً لـ"الرأي العام المحلي والدولي" بأنه "في 11 أكتوبر/تشرين الأول ستقام أولى جلسات محاكمة الأشخاص المتهمين في قضية اغتيال توماس سانكارا في جلسة عمومية تبدأ عند التاسعة صباحاً بالتوقيت المحلي".

بينما كومباوري الذي تمَّ خلعه سنة 2014 من على رأس البلاد بعد 27 سنة قضاها في المنصب، قال محاموه إنه لن يحظر جلسات المحاكمة "السياسية" على حد وصفهم. هو الذي يقيم في ساحل العاج، بعد أن فرَّ من الثورة الشعبية التي أطاحت به. وسعى طوال سنوات حكمه إلى طمس معالم قضية مقتل سانكارا.

فيما عملت السلطات البوركينابية الجديدة على تكريم ذكرى الرئيس المقتول ومرافقيه، بداية بنقل رفاتهم التي ظلَّ مكان دفنها مجهولاً إلى حدود سنة 2015. ومنذ سنة 2018، عمدت باريس إلى تسليم واغادوغو الوثائق السرية لديها المتعلقة بالقضية. هذا ودعت "الهيئة الدولية لذكرى توماس سانكارا" إلى التعبئة الشعبية من أجل "متابعة ودعم العدالة في محاكمة قتلة توماس سانكارا".

من توماس سانكارا؟

تقلَّد الرئيس توماس سانكارا حكم بوركينا فاسو، التي كانت تسمى وقتها بـ"فولتا العليا"، وهو يبلغ من العمر 38 سنة. على إثر ثورة شعبية قادها عام 1983 ضد حكومة بلاده الموالية للاستعمار. هو الذي كان ذا توجه يساري ماركسي، عمد أول ما تقلد إلى تأميم الموارد الطبيعية للبلاد، أهمها زراعة القطن التي كانت لا تزال تحت السيطرة الفرنسية.

وفق هذه السياسة، ركز سانكارا وحكومته على محاربة الجوع في البلاد وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء انطلاقاً من برنامج إصلاح الأراضي الزراعية وتشجيع الإنتاج الفلاحي، إضافة إلى برنامج غرس 10 ملايين شجرة من أجل إيقاف التصحر. كما عمد إلى تعزيز الصحة العامة بتطعيم 2.5 مليون طفل ضد أمراض التهاب السحايا والحمى الصفراء والحصبة.

إضافة إلى ذلك، قاد سانكارا برامج لمحاربة الأمية، وبناء المدارس والمستوصفات بالقرى، وتشييد مئات الكيلومترات من الطرق والسكك الحديدية من أجل ربط سكان الريف مع المدن. ما جعله مقرباً من الفئات الفقيرة من المجتمع البوركينابي ومكروهة من قبل القلة التي كانت تحظى بامتيازات من المنظومة الحاكمة السابقة.

كل هذا كان يجري بسواعد بوركينابية، يقول سانكارا في إحدى مقابلاته الصحفية، أنه "من أجل إعطاء المثال للشعوب الإفريقية أننا قادرون على تحقيق النماء في بلداننا دون الحاجة إلى المساعدات الخارجية وابتزاز صندوق النقد الدولي". وهذا ما كان يحدد معالم سياسة حكومة سانكارا الخارجية، أي مناهضتها الإمبريالية والاستغلال الأجنبي للشعوب، على رأسها ما قادته فرنسا ضد تلك الشعوب.

وكان سانكارا مناصراً لقضايا المرأة، حيث دعم تعليم النساء وعملهن، وجرَّم العنف ضدهن، كما جرَّم ختان الفتيات وطارد مرتكبيه.

لهذا قتلته فرنسا!

أثناء اجتماع مع حكومته في منزل كان قد خصص لذلك، سُمع صوت يأمر من الخارج: "اخرجوا!" تلته بعدها رشقات رصاص. وقف سانكارا هاتفاً برفاقه "ابقوا هنا! إنه أنا من يريدون!". خرج الرئيس وماهي إلا ثواني من عبوره باب البيت حتى أطلقوا عليه النار ليردوه قتيلاً، "خرجنا بعده فأطلقوا علينا النار كذلك". يحكي ألونا تراوري، أحد رفاق سانكارا والناجي الوحيد من مجزرة انقلاب 15 أكتوبر/تشرين الأول 1987.

منفذو عملية الاغتيال لم يكونوا إلا الحرس المقربين من بليز كومباوري، بقيادة جيلبير دينديري، الذراع اليمنى لقائد الانقلاب ورئيس أركانه بعد تسلمه رئاسة البلاد. فيما ما فتئة عائلة سانكارا تؤكد بأن الرئيس المخلوع هو من أمر بقتله رغم محاولة تبرئة محيط كومباوري له.

ولم تخل شبهات ضلوع أياد خارجية في تحريك الانقلاب، على رأسها فرنسا، التي كان سانكارا أشد أعدها. كونه من المنتقدين البارزين لدعمها نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، كما دعم تقرير مصير سكان كاليدونيا الجديدة وقتها. لكن أكثر ما كان يثير امتعاض باريس بشدة هو عمل سانكارا على إطاحة نظام "الفرنك الإفريقي" الذي يمكن البنك المركزي الفرنسي من السيطرة المطلقة على المنظومة المالية لدول غرب ووسط القارة، كما عرقل نشاطات "فرانس أفريك" الاستغلالية في المنطقة.

هذا ويؤكد ضلوع فرنسا في اغتيال سانكارا حضور عناصرها الاستخباراتية بالعاصمة واغادوغو عشية الانقلاب. بالمقابل، أوفت باريس بوعودها بتسليم وثائقها السرية المتعلقة بالقضية إلى السلطات البوركينابية. "وثائق لم تكن لها أي إضافة للقضية" بحسب ما صرحت مصادر قضائية للصحافة الفرنسية.

TRT عربي