السلطان سليمان القانوني يقود جنوده لتحرير بغداد من ظلم الصفويين وضمها تحت مظلة الحكم العثماني أواخر عام 1534. (Others)
تابعنا

بعد أن كانت منارة للعلم والحضارة أيام الدولة العباسية، بدأت الأوضاع تتردى في بغداد عقب سقوطها بيد المغول عام 1258، وزاد تقهقرها وتخلُّفها مع وقوعها تحت حكم الدولة الصفوية التي كانت منشغلة في صراع طويل مع الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحظى بأزهى عهودها.

واستكمالاً لحروب والده ضد الدولة الصفوية التي كانت مستمرة في تهديد استقرار وأمن الإمبراطورية العثمانية، وتحت تأثير موقعة جالديران التي هُزم فيها الصفوييون عام 1514 على يد السلطان سليم الأول، قاد السلطان سليمان القانوني عام 1534 جيشاً عظيماً باتجاه حدود دولته الشرقية من أجل وضع حد لاستفزازات الشاه طهماسب وإسقاط مملكته.

غير أن الأحوال الجوية وقتها حالت دون تحقيق مهمة القانوني، فقرر التوجه إلى الموصل عن طريق شهرزور لقضاء فترة الشتاء والعودة بعدها لمواجهة الشاه طهماسب.

وما إن اقتربت الجيش التركي من بغداد حتى هربت الحامية الصفوية وتركتها بلا دفاع، الأمر الذي مكّن الأتراك من دخول المدينة والاستيلاء عليها بلا مقاومة تُذكَر. وفور دخوله مدينة بغداد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1534، أعلن القانوني بغداد ولاية عثمانية وعين لها والياً عثمانياً وأمر بإعادة بناء المراقد وقنوات الري التي هدمها الصفويون قبل فرارهم.

الأسباب

في أعقاب وفاة السلطان سليم الأول عام 1520 وتولي ابنه الشاب سليمان عرش الحكم في الدولة العثمانية، تجددت الآمال لدى الدولة الصفوية وحاكمها الشاه إسماعيل الذي استغل حقيقة أن سليمان القانوني كان مشغولاً ببعثات بلغراد ورودس، مما أدى إلى تسريع أنشطته الدعائية في الأناضول ضد العثمانيين ومداهمة حدود الدولة العثمانية شرقي الأناضول.

على أثر الهجمات الصفوية المتكررة قرّر القانوني محاربة الصفويين من أجل إنهاء القضية الإيرانية وضمان أمن الحدود الشرقية، خصوصاً بعد مقتل الشاه إسماعيل عام 1524 وتولي نجله طهماسب الأول الذي كان طفلاً بعد، لكنه اضطُرّ إلى تأجيل الحملة التي خطّط لها بسبب التطورات على الجبهة الأوروبية.

تجدر الإشارة إلى أن أحد الأسباب الرئيسية الأخرى التي أدّت إلى خروج القانوني بحملة العراق تمثل بقتل طهماسب لحاكم مدينة بغداد ذي الفقار خان الذي لم يرفض المشاركة بالحملات الصفوية ضد الأرضي العثمانية وحسب، بل بايع العثمانيين وأرسل مفاتيح المدينة إلى إسطنبول عام 1529، مما زاد التوتر بين الدولتين ودفع القانوني إلى قيادة جيشه في حملة عسكرية دامت لأكثر من عام.

الطريق إلى بغداد

بعد أن ضمن أمان حدود مملكته في أوروبا لفترة معينة من الوقت مع السلام المتوصَّل إليه مع آل هابسبورغ في عام 1533، بدأ سليمان القانوني مباشرةً التحضير والاستعداد للخروج بحملته ضد الصفويين، وقبل انطلاقه على رأس جيشه أرسل وزيره الأعظم بارجالي إبراهيم باشا الذي أعطاه صلاحيات واسعة، إلى الجبهة في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1533.

وصل إبراهيم باشا إلى حلب في ديسمبر/كانون الأول 1533 وقضى الشتاء هناك، ومن ثم تحرك إلى ديار بكر في مايو/أيار 1534 متجهاً باتجاه تبريز التي استولى عليها بسهولة في 6 أغسطس/آب 1534.

من جانبه غادر القانوني أوسكودار في 14 يونيو/حزيران 1534، وفي الطريق زار قبر مولانا جلال الدين الرومي في مدينة قونية، ومن ثم دخل تبريز في 28 سبتمبر/أيلول 1534 متبعاً طريق قيصري-سيفاس-أرزينجان.

وطوال الحملة لم يخض الصفويون حرباً ميدانية مباشرة مع العثمانيين الذين كان لديهم أسلحة نارية متفوقة، وفضّلوا تدمير الأماكن التي يمرّ فيها الجيش العثماني وشنّ غارات مفاجئة فقط. وعلى الرغم من وصول الجيش العثماني إلى السلطنة في ظل ظروف صعبة، إلا أنهم لم يتمكنوا من العثور على أثر الشاه طهماسب الأول، الأمر الذي دفعهم إلى التحرك نحو بغداد رغم صعوبة التضاريس والظروف المناخية القاسية.

بغداد: ولاية عثمانية

مع اقتراب الجيش العثماني من مدينة بغداد غادرت الحامية الصفوية بقيادة تيكيلو محمد خان المدينة وهربوا إلى شيراز، واستُولِيَ على بغداد بسهولة وبلا مقاومة يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1534، وما إن دخلها السلطان سليمان القانوني حتى أعلن بغداد ولاية عثمانية وعيّن لها والياً عثمانياً ألحق به جنوداً عثمانيين لحمايتها من أي غدر صفوي.

وعلى الرغم من أن فتح بغداد كان لإنقاذ السنة من خطر الصفويين الذين فرضوا المذهب الشيعي، فإن العثمانيين لم يتعرضوا لشيعة بغداد ولم ينكّلوا بهم، بل على العكس أحسنوا إليهم وأكرموهم.

كما أمر القانوني بإعادة بناء المقامات السنية التي هدمها الصفوييون، وأهمها ضريح الإمام أبي حنيفة النعمان صاحب المذهب الفقهي المعروف، الذي هدمه الصفوييون ودنّسوا رفاته، ولم يفته كذلك أن يزور قبور "أئمة الشيعة". وأوصى أيضاً ببناء سد لمدينة كربلاء (ذات الغالبية الشيعية) لوقايتها من الفيضان، ووسع الترعة المعروفة بالحسينية لكي تأتي بالماء باستمرار، فزُرعَت المنطقة حول العتبات المقدسة للشيعة بالبساتين وحقول القمح.

TRT عربي