للمرة الأولى منذ أكثر من شهرين تخرج وزارة الصحة في قطاع غزة بتقريرها اليومي عن فيروس كورونا، معلنةً عن صفرٍ من الإصابات، نتيجة عدم إجراء الفحوصات.

لكن هذا الإعلان ليس لأن القطاع بات خالياً من الوباء أبداً، بل خرج هذا التصريح الذي يتمناه الغزيون بشدة بعد إعلان الوزارة نفاد جُلّ المسحات اللازمة لفحص كوفيد-19 لتدق ناقوس الخطر حول الوضع بالقطاع المتردي أصلًا من جميع النواحي الاقتصادية والصحية في ظل الحصار المقيت، ومع اشتداده بظهور الوباء العالمي الذي أجبر القطاع على التزام البيوت أو تقييد حركتهم بصورة كبيرة، ما هوى بالاقتصاد أكثر وأكثر.

إنّ الوضع الصحي في القطاع كما هو معلوم للجميع يعاني شحاً كبيراً في المواد الأساسية للعلاج بطبيعة الحال، ونقصاً بالمعدات يجبر على التوجه إلى دول عربية شقيقة لتلِّقي العلاج اللازم لا سيما في الأمراض الخطيرة، ومع انتشار وباء كورونا في المجتمع الغزي أصبح القطاع الصحي ينازع لاستمرار عمله، ويناشد دورياً لإمداده بالمسحات اللازمة لفحص المصابين.

كثرٌ هم الغزيون الذين لم يتمكنوا من تلقِّي العلاج اللازم لهم بعد تأكيد إصابتهم بكورونا. الشابة (رغدة. ت) واحدة من الذين يعانون إصابات سابقة تجعل المرض أكثر حدةً على جسدها الرقيق، فهي مصابة في أحد التصعيدات الإسرائيلية على قطاع غزة، وقد عانت خلال رحلة علاج مريرة داخل القطاع وخارجه لتتجاوز محنتها الأولى لتفاجأ بإصابتها بالوباء واشتداد الألم بكل جسدها يومًا بعد يوم، من دون أن تستطيع التخفيف من وطأته بتلقِّي العلاج المناسب لحالتها في أحد مستشفيات قطاع غزة.

في حديث خاص مع TRT عربي قصّت رغدة تفاصيل إصابتها بكوفيد-19 الذي لم تبدأ سلسلته من عندها، فبعد سماع خبر إصابة عائلة كاملة من أبوين وأربعة أطفال يقطنون بجوار منزلهم تفاجأت وعائلتها بظهور الأعراض على والدتها وشقيقتها اللتين تقطنان معها، فما كان منها إلا أن قامت على خدمتهما بحرص وحذر متخذةً إجراءات الوقاية اللازمة، لكنها سرعان ما شعرت بأعراض شديدة للمرض تفوق حتى ما شعرت به والدتها العجوز خلال أيام مرضها السابقة.

بعد مرور ثلاثة أيام من الأعراض الطفيفة للفيروس كفقدان الشم والتعب العام في الجسد عانت رغدة أكثر؛ "شعرتُ بصداع شديد وحرارة عالية لفترات طويلة من دون أن تنخفض وألم ينخر عظامي، كما فقدت حاستَي الشم والتذوق" ومع إصابتها السابقة خلال التصعيدات على القطاع لا تزال رغدة تعاني المرض لفترة أطول من أسبوع، ولا تزال هزيلة لم تسترد عافيتها، فيما لا تجد شيئًا يخفف عنها الوجع إلا بعض المسكنات العادية التي تشتريها من أقرب صيدلية إلى بيتها.

ورغدة ليست الوحيدة التي تعاني في المنزل من دون أن تجد علاجاً أفضل لحالتها السيئة في المستشفى، فالقدرة الاستيعابية لمستشفيات القطاع محدودة جداً، وقد ناشدت وزارة الصحة كثيراً لعدم قدرتها رفع القدرة الاستيعابية من الأسرَّة والعلاج للمواطنين بمستشفياتها.

في حوار خاص مع TRT عربي حذر الدكتور خميس الإسي، زميل جامعة أكسفورد للطب المسند بالبراهين، من كارثة مرتقبة، فـ"إذا استمر الوضع بهذا الشكل بتوُّقف الفحوصات وعدم حصر المصابين والمخالطين وعدم وجود الدواء الكافي، فنحن ذاهبون إلى وضع كارثي وعدد الوفيات سيفوق العشرين يومياً حسب التقديرات".

لكن في الوقت نفسه أشار الدكتور الإسي إلى أن الوقت لا يزال بين أيدي الأجهزة المختصة؛ "أعتقد وجود فرصة سانحة لتدارك الأمر، بحسب المعطيات الرسمية ليست الأعداد على أجهزة التنفس الصناعي كبيرة بالنسبة إلى الدول الأخرى، ما يبشر بأمل للسيطرة على الوباء بالقطاع، بخاصة أن الوفيات من الذين يعانون مشاكل صحية أخرى ويمكن أن تزداد بخاصة مع وجود حالات إنسانية ومرضية كثيرة تعاني في القطاع من دون تعرُّضها لفيروس كورونا".

هذا وأعلنت وزارة الصحة في القطاع منذ يومين نفاد كل المسحات الطبية اللازمة لاكتشاف المرض، وبعد ساعات قليلة شهد القطاع أعلى عدد وفيات يومية منذ تفشِّي المرض، الدكتور عميد مشتهى، مدير المختبر المركزي في غزة، في حوار خاص مع TRT عربي، كشف أن الصحة العالمية استجابت لمطالبهم بعد إعلان نفاد المسحات لتمدهم بـ19 ألف مسحة طبية، لكن هذه الكمية تكفي لثمانية أيام فقط.

إن "قدرة المختبر المركزي في القطاع ينجز ثلاثة آلاف فحص مخبري يومي، والواجب أن يجري إنجاز من خمسة آلاف إلى سبعة على الأقل، لكن مع البروتوكول الجديد الذي اضطرت الصحة إلى فرضه بالنسبة إلى أن يُفحص كبار السن والمعرضون للخطر أو من تظهر عليهم أعراض فقط، فتكون القدرة على فحص من 2500 إلى 3000 فقط يومياً".

يذكر أن الإجمالي التراكمي للمصابين في القطاع منذ انتشار المرض في المجتمع بلغ 25592 إصابة، وإجمالي الحالات النشطة 10091 حالة، وإجمالي المتعافين بلغ 15346 حالة، فيما بلغت الوفيات 155 حالة، وإجمالي الحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية في المستشفيات 372 حالة، وإجمالي الحالات الخطيرة والحرجة 153 حالة.

كثرٌ هم الغزيون الذين لم يتمكنوا من تلقِّي العلاج اللازم لهم بعد تأكيد إصابتهم بكورونا (TRT Arabi)
الوضع الصحي في القطاع كما هو معلوم للجميع يعاني شحاً كبيراً في المواد الأساسية للعلاج بطبيعة الحال (TRT Arabi)
TRT عربي
الأكثر تداولاً