مع جائحةِ كورونا التي بدأتْ في مطلعِ هذا العام، لجأَ عديدُ من فئةِ الشبابِ إلى الكتابِ كمنقذٍ من العزلةِ التي فرضَتْها ظروفُ الجائحةِ، بخاصة خلال فتراتِ الحجرِ الصّحي، مما جعلَ صفحاتِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِ تعجّ بمراجعاتِ الكتب.

تُعتبرُ القراءةُ بوابةُ الدخولِ إلى عوالمَ فسيحةٍ للعقلِ البشريّ، فهي تضيفُ إليه العلومَ والمعارفَ وتمنحُه متعةَ التجولِ في عقولِ ونفوسِ المؤلفين الذين لا يمتلكُ القارئُ فرصةَ لِقائهِم والجلوسِ إليهم، لأنهم إما قد غادروا الحياةَ وإما تشتتُوا في أصقاعِ الأرضِ.

لهذا يُعتبرُ الكتابُ بما يحتوي عليه بين دفتينِ، فرصةً ثمينةً لمن أرادَ أن يستزيدَ علماً ويستنيرَ عقلاً ويزدادَ عمقاً إنسانياً، وفكراً غيرَ مؤطَّرٍ باتجاهٍ واحدٍ، ولطالما عُرفتْ قيمةُ الكتابِ منذ القدمِ، فكانت الحكوماتُ تصادرُ الكتبَ التي تتنافَى معهَا أو تمنعهَا، أما المستعمرونَ والمحتلونَ فقد أحرقوا الكتبَ والمكتباتِ كما في الأندلسِ عندما أحرقتْ محاكمُ التفتيشِ مليونَ كتابٍ في يوم واحد، وهذا خيرُ دليلٍ على أن الكتابَ أداةُ تغييرٍ حقيقيةً للإنسانِ والمجتمعاتِ والشعوبِ كافّة.

ومع جائحةِ كورونا التي بدأتْ في مطلعِ هذا العام، لجأَ عديدُ من فئةِ الشبابِ إلى الكتابِ كمنقذٍ من العزلةِ التي فرضَتْها ظروفُ الجائحةِ، بخاصة خلال فتراتِ الحجرِ الصّحي، مما جعلَ صفحاتِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِ تعجّ بمراجعاتِ الكتب، وأبرزُ هذه المنصاتِ التي تلاقي ترحاباً هي منصةُ "إنستغرام"، فما تمنحه من مميزاتِ الجذبِ البصري، المؤثرات، خياراتِ المشاركة والتفاعلِ مع المتابعين، جعلها تتبوأ عرشَ أدوات التواصلِ الاجتماعي خلال الجائحة!

وهذا الزخْمُ خلق عدةَ تساؤلات تتعلقُ بواقعِ سوق الكتابِ خلال الجائحةِ لدى دورِ النشرِ، والقراءِ الإنستغراميين، فهل هم بمراجعاتِهم عن الكتبِ يساهمون بطرقٍ غيرِ مباشرةٍ في دعم عمليةِ بيع الكتبِ بظرفٍ صعب مثل ظروفِ كورونا؟ وهل أثرت الجائحةُ في عمليةِ بيع الكتبِ والفاعلياتِ والمعارض الخاصة به؟ وكيف لجأَ القراءُ إلى شراءِ الكتبِ خلال كورونا؟ وهل توجهوا إلى قراءةِ الكتبِ الإلكترونيةِ بدلاً من الورقية؟ وما وجهةُ نظر دورِ النشر حول هذا الموضوعِ وكيفية التعاملِ معه؟ وهل من أمل في عودة الأمورِ إلى نصابِها قريباً؟

مع جائحةِ كورونا التي بدأتْ في مطلعِ هذا العام، لجأَ عديدُ من فئةِالشبابِ إلى الكتابِ كمنقذٍ من العزلةِ التي فرضَتْها ظروفُ الجائحةِ
مع جائحةِ كورونا التي بدأتْ في مطلعِ هذا العام، لجأَ عديدُ من فئةِالشبابِ إلى الكتابِ كمنقذٍ من العزلةِ التي فرضَتْها ظروفُ الجائحةِ (Getty Images)

هذه الأسئلةُ دفعت TRT عربي إلى حوارِ مجموعةٍ من أبرزِ القراءِ الإنستغراميين، بالإضافةِ إلى دورِ النشر لاستقراءِ واقعِ سوق الكتابِ العربي على مدار الأشهرِ الماضيةِ خلال الحجرِ الصحي.

المكتبةُ أفضلْ

القارئُ شوان المجيد من كردستان العراق، يقرأُ شهرياً 3 كتب على الأقلِ، ولديه 17 ألفَ متابعٍ على إنستغرام، قال لـTRT عربي: "أنشأتُ حسابي لنشرِ شغف القراءة مع القراءِ، وكورونا أتاح لي وقتاً أكثرَ للقراءة، وقراءاتي كلّها ورقيةٌ، نادراً ما أقرأ إلكترونياً".

ويضيف: "خلالَ الجائحةِ أشتري الكتب أونلاين، ولكنّ هذا لا يشبه الذهاب بنفسك إلى المكتبةِ لترى الكتبَ وتختارَ الأفضلَ لك".

وعما إذا كانَ حسابُه يساهمُ في رفع مبيعاتِ الكتبِ بشكلٍ غيرِ مباشرٍ أكد قائلاً: "إذا كان كلُّ قارئٍ ينشر صورةً لكتابٍ جديد وكان لديه آلافُ المتابعين، فتخيلْ عدد الذين رأوا هذا الكتاب الجديدَ وعدد الذين سيذهبون لشرائه".

التأخيرُ في التسليم

أما محمد سلمان، من الكويت، كاتبٌ وله ستةُ إصدارات، فيقرأُ شهرياً 4 كتبٍ على الأقل، ولديه 59 ألفَ متابعٍ على إنستغرام.

اقرأ أيضاً:
الحجر الصحي.. هكذا قدّمت العزلة روائع الأدب والفن للعالم

يقول عن صفحتِه الإنستغرامية: "أنشأتُ الحسابَ لكي يكون كمدونةٍ للكتبِ التي أقرؤها، وأيضاً ليكون مرجعاً للقراءِ الذين يودون رؤيةَ تقييمٍ لكتابٍ معينٍ، ويعملُ الحسابُ أيضاً كأرشيفٍ خاصّ بي وبما أُنجز".

وعن تأثيرِ ظروفِ الجائحةِ على قراءَتِه وشراءِ الكتبِ يؤكدُ: "زادت قراءتي بمقدارِ الضعفِ، كما زادتْ صعوبةُ انتقاءِ الكتبِ، ولكنّ شراءَ الأونلاين كان سهلاً، عيبهُ الوحيد بعضُ التأخيرِ في التسليم".

أما مدى فاعليةِ حسابِه في ترويجِ الكتبِ التي يقرؤها فقد أوضحْ: "بالتأكيد حسابي يساهمُ ولو بشكلٍ بسيطٍ في رفع نسبةِ مبيعاتِ الكتبِ التي يجري تقييمُها عليه".

القراءةُ الإلكترونيةُ

أما خضرة الخوالدة، مهندسةٌ مدنيةٌ وطالبةُ دراساتٍ عليا من الأردنِ، فتقرأ شهرياً 3 كتبٍ على الأقلّ، ولديها 14 ألفَ متابعٍ على إنستغرام.

تقول لـTRT عربي: "هدفي من حسابي أن يكونَ في حياتي أشخاصٌ يشاركونَني شغفَ وحبّ القراءةِ، لأنّ هؤلاء في مجتمعِي عددُهم قليلٌ جداً".

وتوضّحُ عن قراءاتِها خلال الحجرِ الصحي: "زادتْ القراءةُ لديَّ ولدى للناسِ الذينَ فقدوا أعمالهُم، لوجود وقت إضافيّ، وأتوجه إلى الكتبِ الورقيةِ بشكلٍ كاملٍ، وفشلتْ محاولاتِي في أن أقرأ إلكترونياً لأن القراءةَ الإلكترونية غالباً مرتبطةً بالهاتف المحمولِ الذي يُعتبر مشتتاً، لما عليه من تطبيقاتّ وإشعاراتٍ، بالإضافةِ إلى كون الخطّ صغيراً جداً، كما تضيعُ صفحة القراءة إذا ما توقفتُ في مكانٍ ما من الكتابِ الإلكتروني".

جعلت جائحة كورونا صفحاتِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِ تعجّ بمراجعاتِ الكتب، وأبرزُ هذه المنصاتِ التي تلاقي ترحاباً هي منصةُ
جعلت جائحة كورونا صفحاتِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعيِ تعجّ بمراجعاتِ الكتب، وأبرزُ هذه المنصاتِ التي تلاقي ترحاباً هي منصةُ "إنستغرام" (Getty Images)

وفي نهايةِ حديثهَا تؤكدُ: "تساهمُ صفحتي في مبيعات الكتبِ بطريقةٍ مباشرةٍ وغير مباشرة، فالتفاعلُ مع تقييم الكتبِ التي أقرؤها يجعلهَا مرغوبةً من جمهورِ المتابعين لدّي".

هبوطُ مبيعاتِ الكتبِ

من جانبٍ آخر، يؤكدُ أ.جهاد شبارو، مديرُ المبيعاتِ والتسويقِ لدى الدارِ العربيةِ للعلومِ "ناشرون"، لــTRT عربي، أنّ "الصفحاتِ المتخصصةَ في مراجعةِ الكتبِ، تساعدُ دوماً على نشر الكتبِ خصوصاً إذا كانت تتناول الكتبَ بطريقة ذكيةٍ تلفتُ انتباهَ القراءِ، ودور هذه الصفحات خلال جائحةِ كورونا مُهمّ جداً حتى الآن، لأن القراءَ يُمضون وقتاً أطول في منازلهِم ولديهم وقتٌ أطول للقراءة، هذا بدورهِ أعاد الحياة إلى سوقِ الكتاب والطباعةِ والنشر بحدود معيَّنة".

اقرأ أيضاً:
الفلسفة والأدب.. هكذا يداوي الفكر النفس البشرية في أوقات الأزمات

وتحدثَ عن تأُثير الجائحةِ على مبيعاتِ الكتبِ قائلاً: "رأينا هبوطاً كبيراً في شراء الكتبِ مما أوجبَ علينا الانتباهَ وترشيدَ النشرِ والطباعةِ. وخفضتْ المكتباتُ مشترياتِها إلى أدنى الحدود. بعد مرور ٤ أشهرٍ لاحظنا أنّ القراءَ اعتادوا الجائحةِ وكل شخصٍ على طريقته، وبدأت الحياةُ تعود تدريجياً إلى طبيعتِها، مع الحذرِ الشديد".

أما الطرقِ البديلةِ لبيعِ الكتب بعد إقفالِ المكتباتِ فأوضح: "نحنُ نعملُ على بيعِ الكتبِ إلكترونياً، وبيعِ الكتبِ لمواقعِ البيعِ على الإنترنت في مختلفِ البلدان، والنيلُ والفراتُ هي شركةٌ شقيقةٌ للدار العربية للعلوم".

وعن عودةِ الأمور إلى نصابِها نوّه قائلاً: "مَعارضَ الكتبِ توقفتْ منذ شهرِ فبراير، والتأثيرُ السلبيّ حصل على الكتابِ الورقِي، ونتوقع عودتَها إلى شبهِ نصابِها في نهايةِ الربع الأولِ من العامِ القادم إذا لم تحصلْ مفاجآت".

إلغاءُ المعارضِ

أمّا أ.سعد الأحمد، المديرُ التنفيذيّ لدارِ "مرايا للنشرِ" في الكويت فيقول لـTRT عربي: "مرايا للنشرِ والتوزيع هي دارٌ جديدةٌ في اسمها وفريقِ عملها، وكنا متحمسين للعملِ على شيءٍ مختلفٍ، لكنّ مشكلات عديدة واجهتنا بسببِ جائحة كورونا، التي أسهمتْ في توقفِ العملِ الحكومِي في الكويت، وتوقفِ المعارضِ والمكتبات الخاصة عمومًا لمدةٍ طويلة، وإلغاء معرضِ الكتاب الكويتِي ضرّنا بشدة من نواحي التوزيعِ والتعاونِ مع دورِ النشر الأجنبيةِ وكذلك من نواحي البيعِ المتدني".

ويضيف: "العالمُ لن يبقى كما نعهدُه بعد هذه الجائحةِ، وخيارُ الكتابِ الإلكتروني مطروحٌ، ولكن لا يزالُ من هم مثلي يفضلون الكتابَ الورقِي ويعتمدونَ اعتماداً كلياً على الكتابِ المحسوسِ، فالأمرُ نسبيّ إلى حدٍ كبيرٍ، لكن كثيراً من الناس يُقبِلون على الكتابِ الإلكتروني الآن أكثرَ من أي وقتٍ سبق".

اللجوء إلى الكتب الإلكترونية بدل الورقية في المكتبات نتيجة لظروف الحجر الصحي
اللجوء إلى الكتب الإلكترونية بدل الورقية في المكتبات نتيجة لظروف الحجر الصحي (Getty Images)

وأوضح: "خلال الجائحةِ اعتمدنا على توزيعِ طرقِ البيعِ ومنها التوصيلِ إلى المنازلِ والطلبِ عبرِ الموقعِ الإلكترونيّ والتوزيعِ على المكتباتِ داخل وخارج الكويت، والتوصيلِ عبر منصاتِ البيع الإلكتروني مثل جملون والنيل والفرات".

وأكد في ختام حديثه أن "بعضَ إصداراتنا الجديدةِ لاقى رواجاً طيباً بعد تقييمِ صفحاتِ القراءِ الإنستغراميين لها".

النشرُ العربي في أوروبا

وإلى خارجِ نطاقِ البلدان العربية، دار "رُقم" للنشرِ والتوزيع والترجمةِ، بمملكةِ السويد، يديرها أ.محمد حوري، سوريّ الجنسية. يقول لــTRT عربي: "أسستُ الدارَ لقلة الكتبِ العربية في متناولِ القراءِ العرب في الاتحادِ الأوروبي، لا سيما النافع منها. وهدفها الأساسي إبقاءُ الجاليةِ العربية على اتصال وثيقٍ مع لغتِهم الأم من خلال توفير الكتب للقراء العرب".

وأكد في حديثِه أنّ " تأثيرَ كورونا في سوقِ الكتبِ كان واضحاً وملموساً، بخاصة في ظلّ ارتفاع تكاليفِ الخدماتِ اللوجستيةِ المرافقةِ للنشرِ والتوزيع، ناهيكَ بإغلاقِ المتاجرِ والاعتمادِ على المبيعاتِ الأونلاين فقط، وفي الظروف الحاليةِ من الصعب أن تعودَ الأمورُ إلى نصابها كما قبل الجائحة، ولكن يجب اتخاذُ تدابيرَ وقائيةٍ تمنع التراجعَ في السوق".

وأوضح أنّه "يُحتمل العودةِ إلى السابِق عندما تعتمدُ دورُ النشرِ وإدارات المعارضِ على سياساتٍ تسويقيةٍ مناسبةٍ بالإضافةِ إلى تخفيضِ النفقاتِ الثانويةِ قدرَ المستطاعِ، بالإضافة إلى مساعدةِ الدول والهيئات المعنيةِ للقطاعِ الثقافي الخاص لاستمرارِ الإنتاج".

ووفقاً لتقرير "التنميةِ البشرية" الصادرِ عن اليونسكو عام 2012 ، فإن معدلَ القراءةِ للمواطنِ العربي هو 6 دقائقَ سنوياً، وتبلغ نسبةُ القراءةِ من أجل الترفيهِ 46% فيما لا يتجاوز من يقرأ لالتماس المعلوماتِ 26%، كذلك فإن معدلَ النشرِ العربي سنوياً نحو 6500 كتاب، فيما يُترجَم سنوياً في الوطن العربي خُمس ما تترجمه دولةُ اليونان الصغيرة، ونصيب الوطنُ العربي من مبيعات الكتبِ حول العالمِ هو 1% فقط من إجمالي المبيعات!

المصدر: TRT عربي