يختلف الأطفال مِن حيث ميولهم واتجاهاتهم وقيمهم وشخصيّاتهم، كما يختلفون مِن حيث أنواع الذّكاء التي يمتلكونها، ممّا يفتح المجالَ أمام الوالدين والمعلّمين لتوجيه الأطفال نحو المجالات التي تتناسب وأوجه الكفاءة والتميّز لديهم.

ويتم ذلك مِن خلال استخدام الطّرق التي تتلاءم وهذه القدرات، كلّ طفل يولد ومعه ذكاؤه الخاص، تبقى لدى الوالدين مهمّة اكتشاف أيّ نوعٍ مِن الذّكاء لدى أطفالهم مِن أجل تنميتها.

وقد قسّم العلماء الذّكاء إلى عدّة أقسام، فوفقاً لهاوردجاردنرالذي جاء بنظريّة الذّكاءات المتعدّدة، قسّم الذّكاء إلى ثمان فئات كان من بينها الذكاء اللغويّ أو اللفظي.

وقد تنوّعت مفاهيم الذّكاء اللغويّ عند الباحثين، إلا أنّها اتّفقت على أنه القدرة على إنتاج اللغة المكتوبة والمنطوقة، والقدرة على تعلّمها، واستخدامها لتحقيق أهدافٍ معيّنة، وتوظيفها شفويّاً أو كتابياً.

وفي الواقع، تُعدّ مهارة التّحدث الجانب الرئيسيّ والأبرز للذّكاء اللغويّ، حيث يميل النّاس إلى الحُكم على الآخرين مِن خلال الطّريقة التي يتحدثون بها ويتكلّمون بها. أمّا المنطقة المسؤولة عنه في الدّماغ فهي منطقة (بروكا)، ومكانُها النّصف الأيسر مِن الدّماغ، والطّفل الذي يُصابُ بخللٍ في هذه المنطقة يعاني مشاكل في اللغة والتّواصل، وربما تضعه هذه المشكلة بمسارٍ مختلف عن أقرانه.

دلائل ومؤشّرات الذّكاء اللغوي

يمتلك أصحاب هذا الذكاء مجموعةً مِن الخصائص. فهم يكتبون بطريقة أفضل مِن أقرانهم، ويكتسبون مفردات جديدة بسرعة، ويُظهِرون القدرة على التّعامل مع كميّة مِن المعلومات غير معتادة لمن هم في مثل أعمارهم.

كما تكون لديهم القدرة على سرد الحكايات الطّويلة، ويستخدمون الفُكاهة عند رواية القصص. ويتمتّعون بذاكرة جيّدة للأسماء والأماكن والتواريخ، ويظهِرون ميلاً للاستماع وقراءة الكتب والقصص، ولديهم قدرة على التّواصل مع الآخرين بطريقة شفويّة عالية.

ومن المهم التّأكيد هنا على أنّ الذّكاء اللغوي لا يقتصر على إنتاج اللغة فقط، بل يتعدّى ذلك إلى إظهار حساسيّة عالية للفروق الطّفيفة بين الكلمات وترتيبها.

وأهمُّ ما يميّز الطّفل ذا الذّكاء اللغوي المرتفع قدرته الكبيرة على التّعبير عن نفسه وجميع ما يدور في داخله، وقدرته الكبيرة على الإقناع.

تنمية الذّكاء اللغوي

تُعدّ مرحلة ما قبل المدرسة مرحلةً ذهبيّة مِن عمر الطّفل ومجالاً خصباً لعملية التّعلم واكتساب اللغة، إذ يمكن تنمية مهارات الطّفل اللغوية بالتّحدث معه كثيراً ومخاطبته بلغة واضحةٍ وسليمةٍ دون تحريف الكلمات بطريقةٍ طفوليّة تقليداً له، وهو ما يقع فيه غالباً الأهل مِن باب مداعبة الطّفل وتسليته. فالطفل في مراحله الأولى يلتقط جميع المفردات ويخزنّها ومِن ثمّ يستخدمها كما سمعها.

ولا يخفى علينا أهميّة القصّة المسموعة والمقروءة في إكساب الطّفل المفردات اللغوية السّليمة وتنمية مخزونه اللغوي، وتمهيد الطّريق أمامه لإتقان اللغة، كي يصبح قادراً على استعمال المفردات المكتسبة مِن القصّة في مواقف واقعيّة مشابهة، مع الأخذ بعين الاعتبار اختيار المحتوى المناسب لعمر الطفل وميوله، والقراءة بطريقة تفاعليّة.

كما يُعدّ الحوار مع الطّفل على اختلاف مراحل نموّه أمراً ضرورياً لتحفيز قدراته اللغوية، وكيفيّة استخدام كلمات وتعابير جديدة، لأنه ببساطةٍ سيُقلّد الأسلوبَ الحواريّ لوالديه، لذا يجب على الوالدين مراقبة اللغة التي يتحدثون بها .

وفي هذا السّياق، على الآباء الإجابة عن أسئلة أطفالهم بطريقة صحيحة وذلك لتحقيق عددٍ مِن الفوائد اللغوية كتنمية ثرواتهم اللغوية وتعليمهم حُسن الاستماع.

كما يجب تقوية الذّاكرة السّمعية، ويمكن الاستدلال على هذه المهارة مِن خلال قدرة الطّفل على استرجاع كيفيّة نُطق أسماء الأشياء والكلمات والأعداد التي سمعها بطريقة الاستظهار، وقد يتسبّب عجز الذّاكرة السّمعيّة بخلق مُشكلات في اللغة لدى الطّفل. على سبيل المثال، قد يواجه مشكلةً في تنمية المفردات ومشكلات إملائيّة في تهجئة الكلمات.

ولا يمكن إنكار تأثير وسائل الإعلام بأشكالها كافّة، فهي تلعب دور المثير المنبّه لغويًا، مما يساعد على النّمو اللغوي السّليم، مِن خلال ما يكتسبه الطّفل مِن مفردات جديدة وترديدها في حواراته ومحادثاته، شريطة اختيار البرامج المناسبة.

العوامل المؤثّرة في الذكاء اللغوي

تعتبر الوراثة والبيئةعاملين لا يمكن الفصل بينهما في التّأثير على الذّكاء اللغوي. فالعلماء المتخصّصون يرون أنّ الذّكاء قوّة كامِنة في الفرد نتيجة تكوينه الوراثي، وهذه القدرة الوراثيّة بحاجة إلى ظروف بيئية ملائمة للظهور.

بعبارة أخرى، إنّ تأثير البيئة يظهر في كيفيّة استخدام الفرد لما يرثُه مِن الذّكاء، إذ إنّ الأشخاص الذين نشؤوا في بيئة غنيّة لغوياً يتمتعون بذكاءٍ فكريّ كبير، فقد أظهرت نتائج بعض الدراسات أنّ الكثير مِن العوامل البيئية مثل مكان الإقامة، وممارسة الرياضة، ومهنة الوالدين والتّعليم تؤثّر على ذكاء الطّفل إلى حدٍ كبير، لهذا يجب توفير بيئة مثاليّة للطّفل ليتمكّن مِن تطوير إمكاناته الوراثيّة كاملة.

وتُعدّ مرحلة التعليم التحضيريّ (الروضة) فرصة سانِحة لتطوير قدرات الأطفال اللغوية، فقد أظهرت نتائج دراسة ميدانيّة شارك فيها عددٌ مِن معلمي المرحلة التحضيريّة أن 100% مِن الأطفال نموّهم اللغويّ في تحسّن مقارنة بما كانوا عليه في أيّامهم الأولى في الروضة، ويظهر ذلك واضحاً مِن خلال المحادثة والتّواصل معهم، حيث وُجد أنّ الطفل بدايةَ هذه المرحلة يمتلك رصيداً لغويّاً لا بأس به، وفي نهاية الفصل يتحسّن معظم الأطفال في القراءة وحِفظ الأناشيد والسّور القرآنية. لكنْ في المقابل، عند غياب الأنشطة اللغويّة التعليميّة التي يكثر فيها استخدام المفردات اللغويّة، يظهر ضعفٌ لدى الطفل في فهم واستيعاب اللغة ومحدوديّةٌ في فهم معاني الكلمات والعبارات.

وفي هذا الصدد يؤكد المستشار التربوي عماد حجازي، في حديثه مع TRT عربي، أنّ الطفل "صاحب الذّكاء اللغوي يكون صاحب ذاكرةٍ قويّة، ويكوّن مخزوناً لغويّاً كبيراً، يُمكّنُه مِن التّعبير عن ذاته وعرض أفكاره وقناعاته بشكلٍ مُقنع للآخرين، ولذلك يُعتبر شخصيّةً اجتماعيةً مؤثرة فيمن حولها من حيث القدرة على اختيار ألفاظه وتكوين الجُمل المفيدة المراعية لأحوال الآخرين".

وأضاف حجازي أنّ "الطفل صاحب الذّكاء اللغوي دقيقٌ في التّعبير عن ذاته ومشاعره، وذلك يعطيه درجةً مِن التميّز بين أقرانه ويُكسِبه الثّقة بذاته نتيجة وعيه بذاته وقدرته على التّعبير عنها".

أما عن أثر الذّكاء اللغوي على التّحصيل الدّراسي، فقد أشار حجازي إلى أنّ "الذّاكرة القويّة والقدرة التعبيريّة التي يتمتّع بها صاحب الذّكاء اللغوي تجعله متميّزاً دراسيّاً، وخاصّة في الموادّ الأدبيّة واللغات الأخرى، وهنا نوجّه الآباء لمُراعاة نمط أطفالهم ونوع ذكائهم عند اختيار التخصّص أو القسم التعليمي".


TRT عربي
الأكثر تداولاً