مع تنامي مشاعر العداء لفرنسا بمنطقة الساحل الافريقي، التي تعد مناطق نفوذ تقليدية لها، تسعى روسيا لملء الفراغ وإحكام سيطرتها على المنطقة لاستعادة موقعها وقوتها أيام الاتحاد السوفييتي.

نشرت صحيفة لوفيغارو الفرنسية تقريرا تتساءل فيه كاتبته إيزابيل لاسير، عن إمكانية طرد روسيا لفرنسا من منطقة الساحل على غرار ما فعلته في ليبيا. ويكشف التقرير عن أطوار الصراع الفرنسي الروسي في المنطقة، الذي أدى إلى إطاحة موسكو بباريس باعتبارها القوة الأجنبية المهيمنة في المنطقة، وذلك خلال بضع سنوات.

ونظرا للأهمية الاستراتيجية التي يحضى بها الساحل الإفريقي، فقد أصبحت منطقة صراع نفوذ بين القوى الدولية التي تتسارع فيما بينها للحصول على موطئ قدم فيها. وصرح في ذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في وقت سابق سنة 2020 بأن موسكو تسعى لاتباع استراتيجية تهدف إلى تأجيج مشاعر الكراهية ضد باريس في إفريقيا.

وتزامناً مع التحركات الأخيرة التي تشهدها المنطقة بأن باتت روسيا تلعب فيها دوراً مهماً مقابل التراجع الفرنسي تزايدت مخاوف باريس من هيمنة موسكو وإخراجها من المعادلة.

فاغنر.. سكين روسي بإفريقيا

لطالما اعتبرت فرنسا منطقة الساحل الإفريقي منطقة تعزز بها مكانتها بالنظام الدولي ومصدراً مهماً للثروات الطبيعية التي لم تدخر جهداً منذ استعمارها إلى اليوم في استنزافها واستغلال مواردها.

لذلك فإن منافسة باريس بها تهديد خطير لمصالحها واستهداف لها بمناطق نفوذها التقليدية.

بينما تسعى روسيا لإعادة تموقعها العالمي واستعادة نفوذها أيام الاتحاد السوفييتي عبر إفريقيا.

وفي ذلك أشار تقرير لوفيغارو إلى أن مرتزقة فاغنر الروسية أصبحت منتشرة بمعظم بلدان إفريقيا، من بينها السودان وأنغولا وغينيا وموزمبيق وإفريقيا الجنوبية وإفريقيا الوسطى وغيرها.

وجماعة فاغنر الروسية هي جماعة شبه عسكرية مقربة من جهاز الاستخبارات العسكري والكرملين الروسي الذي تراجع عن حمايته لها بمجرد إدانة تقارير للأمم المتحدة لجرائم فاغنر في إفريقيا الوسطى.

وأثناء الصراع الدائر في إفريقيا قدمت روسيا الدعم للجنرال الانقلابي حفتر عبر مجموعة فاغنر، وأرسلت طائرات مقاتلة لدعمه بالسيطرة على قاعدة سرت الجوية جنوب شرق العاصمة طرابلس، والجفرة وسط البلاد. وكانت بذلك ليبيا مدخلاً هاماً لروسيا إلى منطقة الساحل الإفريقي .

وواصلت موسكو التقدم نحو إفريقيا عبر مجموعة فاغنر التي أصبحت سكيناً روسيّاً للتدخل العسكري بإفريقيا كما يصفها التقرير، إذ كانت تقدم للأنظمة الإفريقية خدمات من دعم فني وقوات خاصة وأسلحة وتدريب عسكري ودعم سياسي.

وسنة 2019 وقَّعت باماكو اتفاقية دفاع مع روسيا فتحت الباب أمام مزيد من تدخل فاغنر، ومع وقوع انقلاب عسكري في مالي أطاح بالرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا المتهم بالفساد والضعف بمواجهة انعدام الأمن نادى المتظاهرون باعتماد اتفاقية باماكو على التعاون مع فرنسا. فتفاقمت مخاوف باريس من خسارة مالي، لذلك ربما يكون إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتهاء عملية برخان بمالي فرصة روسيا لمزيد الانتشار بإفريقيا الذي تعمل عليه طيلة سنوات.

وفي السياق ذاته تلقَّت “الجبهة من أجل التناوب والوفاق” في تشاد مساعدة من مجموعة فاغنر الروسية في اشتباكاتها مع الجيش التشادي.

وتبدو بذلك خطوات لروسيا لمزيد التغلغل والانتشار بإفريقيا حثيثة ومتسارعة، وربما تبدو قريبة من إعادة تشكيل خارطة التحالفات وتقليص النفوذ الفرنسي بالمنطقة، وتدعم بذلك الأطراف والتيارات المناهضة للتدخل العسكري الفرنسي. وكشفت تقارير عن توقيع موسكو قرابة 30 اتفاقية عسكرية مع دول القارة منها مالي وإفريقيا الوسطى والنيجر وبوركينافاسو والكاميرون وجامبيا وغانا وغيرها.

عداء إفريقي لفرنسا

من جانب آخر نددت وزيرة القوات المسلحة الفرنسية فلورنس بارلي بالتدخل الروسي في إفريقيا وقالت تعليقاً على ذلك: “تسعى روسيا لترسيخ نفسها والتسلل عبر الثغرات وتشويه سمعتنا دائماً”.

وشهد الساحل الإفريقي بالفترة الأخيرة تزايداً بالتهديدات الأمنية ونشاطاً مكثفاً للتنظيمات الإرهابية. ومع تصاعد حدة الأزمة الأمنية فشل التدخل العسكري الفرنسي في احتوائها ولجأ إلى مزيد من العنف المسلح، فباتت استعادة الأمن مستحيلة بالمنطقة.

فاضطر بعض دول المنطقة إلى البحث عن داعمين دوليين، وكانت روسيا الخيار الأفضل لهذه الأنظمة إذ مكنتهم من الأسلحة والمعدات العسكرية.

من جهة أخرى ضاق السكان المحليون لدول الساحل بممارسات القوى الأجنبية وعلى رأسها فرنسا التي ارتكبت جرائم إنسانية فظيعة وغذت الفرقة بين أبناء البلد الواحد وأشعلت فتيل الحرب الأهلية بينهم.

ولم يكن وعد باريس بالقطع مع ماضيها الاستعماري لبلدان القارة السمراء إلا دعاية، فتنامى الغضب الشعبي منها، لتستغل روسيا هذه الثغرة وتبسط يدها وتدعم الانقلابيين ضد السياسيين والحكومات الإفريقية المناوئة لباريس، وبالتالي تتمكن من زحزحتها تدريجياً عن القارة السمراء.

وأمام تراجع الدعم الدولي لها تبدو باريس في وضع حرج بمواجهة المنافسة الروسية في الساحل الإفريقي وتبدو وتيرة الصراع في تصاعد مستمر يهدد وجودها ونفوذها.

TRT عربي
الأكثر تداولاً