زيارة وفد طالبان إلى الصين أواخر شهر يوليو/تموز الماضي (Others)

أدى الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بعد 20 عاماً من الاحتلال إلى زيادة اهتمام الصين بهذا البلد الذي لطالما كان جذاباً لبكين لموقعه الجغرافي المهم وثرواته المعدنية الغنية. وما أن أعلنت واشنطن قرار انسحابها من أفغانستان حتى بدأت بكين اتخاذ مواقف أكثر فاعلية تجاه أفغانستان وعززت علاقاتها مع طالبان، فكانت من أوائل الدول التي أعلنت أنها ستستمر في التواصل مع حكومة طالبان.

وقبل إتمام الانسحاب الأمريكي نهاية الشهر الماضي كان لطالبان اتصالات رفيعة المستوى مع الصين حتى قبل أن تستولي على العاصمة كابل، كان آخرها زيارة وفد كبير من طالبان للصين نهاية يوليو/تموز الماضي واجتماعه مع وزير خارجيتها وانغ يي، الذي ظهرت أولى نتائجه بعد وقت قصير من تولي طالبان إدارة أفغانستان، فأعربت الحركة عن رغبتها في العمل مع الصين لإعادة إعمار البلاد، واستعدادها لتكون جزءاً من مشروع الحزام والطريق الصيني.

في هذا التقرير نستعرض سياسة بكين الخارجية تجاه أفغانستان وإبراز المصالح التي تبحث عنها الصين في أفغانستان، التي يصفها المحللون بأنها الجزء المفقود من لغز بما يخص مبادرة الحزام والطريق الصينية، فضلاً عن كونها مصدراً غنياً للثروات المعدنية التي تحتاج إليها بكين في صناعاتها التكنولوجية في سياق المنافسة المحتدمة مع الولايات المتحدة.

سياسة بكين الخارجية تجاه أفغانستان

لا تأبه الصين بشكل عام بحقوق الإنسان أو حقوق المرأة أو الديمقراطية من أجل إقامة علاقات دبلوماسية وتجارية مع أي بلد، بل تعتبرها شؤوناً داخلية لا يجب التدخل بها. لكنها بالمقابل تهتم للغاية بتهيئة بيئة آمنة وشمولية تمثل المجتمع بأسره لضخ الاستثمارات والمساعدة بإعادة الإعمار.

فالصين من جانبها تعترف بالأمر الواقع ولا ترى أي مشكلة بالتعاطي مع حكومة طالبان مطلقاً. ليس ذلك وحسب، بل إن إسنادها دوراً مهماً في أفغانستان إلى نفسها أمر مفهوم ومنطقي فيما يخص العديد من الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية للصين بشكل مباشر، حسبما يرى البروفيسور ألتاي أتلي الذي تحدث لموقع TRT Haber في وقت سابق.

وخلال السنوات الماضية أدركت بكين جيداً أنها لن تأخذ مكاناً على طاولة الاقتصاد إذا لم تكن منخرطة ومؤثرة على الساحة السياسية. واعتباراً من التطورات في ليبيا عام 2011 بدأ البعد السياسي يسير يداً بيد مع البعد الاقتصادي الصيني في مبادراتها الخارجية.

كما تدرك الصين حاجة طالبان الماسة إليها لمساعدتها على الانخراط مع المجتمع الدولي، كون الحركة معزولة وغير معترف بها من معظم دول العالم. ولهذا ستوظف الصين ورقة الاقتصاد المتمثلة بالمساعدات والاستثمارات وورقة السياسة لتحقيق مكاسب مهمة في سياق التنافس العالمي بين الصين والولايات المتحدة من خلال مد نفوذها على الساحة الأفغانية.

معادن ثمينة

تمتلك أفغانستان مخزوناً مهولاً من الثروة المعدنية تحت أراضيها. وعلى الرغم من صدور تقارير مختلفة تقدر قيمة هذه المعادن بأكثر من تريليون دولار فإن تقديرات أخرى تفيد بأن قيمة الثروة المعدنية من الحديد والنحاس والليثيوم والكوبالت وغيرها قد تصل إلى أضعاف ما توقعته التقارير السابقة.

وهنا تكمن الميزة الكبرى لأفغانستان، فعلى عكس أعمال التعدين التي تجريها الصين في إفريقيا وأمريكا الجنوبية التي تستغرق وقتاً وتكلفة كبيرة لإحضارها للمصانع الصينية فإن استخراج المعادن وإعادة تعدينها بأفغانستان القريبة من الصين سيشكل نقلة نوعية للصناعة الصينية التي تفتقر إلى هذه المعادن وتعتمد على مصادر خارجية لتأمينها.

كما أن الصين بحاجة إلى معدن الليثيوم الموجود بكثرة في أفغانستان والمهم للغاية في سياق المنافسة التكنولوجية المتزايدة بين الولايات المتحدة والصين. ففي عهد ترمب فقدت الصين إمكانية الوصول إلى الرقائق الأمريكية وبات عليها تصنيع رقائقها الخاصة. لذلك فإن الموارد المعدنية الأفغانية مهمة للغاية بالنسبة إلى الصين.

الحزام والطريق

يمكن ربط الاهتمام الصيني بإعادة إعمار أفغانستان بمبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013، التي تهدف بكين من خلالها إلى إعادة إحياء طريق الحرير الذي كان يربط آسيا بأوروبا في القرن التاسع عشر. ومن المتوقع أن يكتمل أكبر مشاريع البنى التحتية على مستوى العالم بحلول عام 2049، تزامناً مع الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبيّة.

وتشغل أفغانستان موقعاً استراتيجياً مهماً للغاية يربط الشرق الأوسط ووسط آسيا وأوروبا وجنوبهما، إلى جانب كونها جارة لكل من الصين وباكستان التي يوجد بها أكبر عدد من مشاريع البنى التحتية في هذه المبادرة، فوصلت قيمة الاستثمارات الصينية بباكستان خلال الثماني سنوات الماضية إلى أكثر من 70 مليار دولار في إطار ما يعرف بالممر الاقتصادي بين الصين وباكستان.

من جانبها أبدت حكومة طالبان على لسان الملا عبد السلام حنفي النائب الثاني لرئيس الوزراء الجديد، استعداد السلطات في كابل للتعاون في إطار مشروع الحزام والطريق الصيني الذي "من شأنه أن يسهم بتنمية أفغانستان والمنطقة وازدهارهما"، على حد تعبيره.

TRT عربي
الأكثر تداولاً