اغتيال محمود الورفلي قائد قوات الصاعقة السلفية التابعة لمليشيا حفتر  (AFP)

في الوقت الذي بدأت فيه الحكومة الليبية الجديدة مهامها في توحيد البلاد سياسياً وعسكرياً، بعد سنوات من الانقسام، وفي ظل غياب كل الوجوه التي تذكر الليبيين بفترة الحرب والاقتتال، عادت الأضواء مرة أخرى لواقع المليشيات في ليبيا، عبر قائد قوات الصاعقة الداعمة لحفتر، محمود الورفلي.


وبالقرب من جامعة العرب الطبية بمنطقة بلعون في مدينة بنغازي شرق البلاد، اغتيل الذراع الأيمن لخليفة حفتر وأحد زعماء السلفية المقاتلة محمود الورفلي بوابل من الرصاص أصاب رأسه وأنحاء متفرقة من الجسم، ليجري تأكيد الخبر بعدها بساعات على لسان المتحدث باسم مليشيا حفتر.


وتأتي عملية الاغتيال تزامناً مع زيارة وفد حكومي إلى مدينة بنغازي لمناقشة تسليم السلطة سلمياً، بالإضافة إلى الحديث المتواصل عن توحيد القوات العسكرية في البلاد وطرد المرتزقة منه، ما أثار الكثير من التساؤلات عن إمكانية كبيرة أن يكون هذا الاغتيال تصفية داخلية لصندوق أسرار جرائم حفتر ضد معارضيه.

خارج عن السيطرة؟

كان آخر ظهور علني لمحمود الورفلي، المطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية، قبل أسابيع في الفيديو، وهو يهدد مالك فرع وكيل شركة "تويوتا"، بالقتل إذا ما رجع إلى ليبيا.

وظهر الورفلي رفقة مليشياته الملقبة بالصاعقة وهم يهشمون في الوكالة قائلاً إن "هذا هو مصير التجار المستغلين" ومتهماً الموزع ببيع قطع الغيار للجيش بأسعار مرتفعة جداً.

ولم تعلق قوات حفتر بشكل رسمي على الحادثة، إلا أن وسائل إعلام ليبية تداولت تصريحاً عن مصدر عسكري رفيع في القيادة العامة لقوات حفتر مفاده أن "الورفلي لم ينفذ تحركاته بناء على أمر من الجيش وإنه سيتعرض للعقاب".


ظهر الورفلي دائماً في صورة اللامسيطَر عليه من قبل مليشيا حفتر، إذ انتشرت مكالمة مسجلة له في السنوات الأخيرة مع مدير مكتب حفتر، عون الفرجاني، ينتقد فيها تصريحات لأحمد المسماري المتحدث باسم المليشيات، ويرفض فيها أن يجري تسليمه بأي ثمن في نبرة فيها تهديد.

من جهة أخرى، تداولت وسائل إعلام ليبية اجتماعاً بين حفتر وعدد من القيادات العسكرية والاجتماعية لقبيلة العواقير في مقر القيادة العامة بالرجمة، في اجتماع منع خلاله التصوير والتسجيل لغير مكتب إعلام القيادة، إذ نوقش خلال الاجتماع انفلات الأوضاع الأمنية في بنغازي وتحميل مسؤولية انفلات الأمن في المدينة على من سماهم "الخارجين عن القانون والمارقين من المسلحين العسكريين والمدنيين"، متهماً إياهم بالخونة والعملاء للعدو، حسب وسائل الإعلام.


ونقلت وسائل الإعلام عن حفتر قوله إنه "ستجري محاسبة كل العسكريين والأمنيين الذين يصورون الخروقات والعمليات التي تجريها القوات العسكرية والأمنية".

وأفادت أنه طالب القيادات الاجتماعية والعسكرية لقبيلة العواقير بالهجوم على مقرات محمود الورفلي ومن معه وإخلائها والقبض على المجرمين فيها وتسليمهم للعدالة، معللاً عدم اتخاذ أي إجراءات عسكرية حيالهم كي لا تظهر صورة الإخلاء والقبض حال حدوث اشتباكات في الإعلام بين الصاعقة وقوات الجيش ويستغلها العدو في تشويه صورة الجيش.

هذه الصورة التي رُسخت عن الورفلي تجعل من اغتياله ملفاً ملغوماً وخطيراً على حفتر أولاً وعلى مصر والإمارات وفرنسا ثانياً، الذين دعموه في حربه على طرابلس، حيث إنه صندوق أسرار حفتر المنهزم عسكرياً وسياسياً والتخلص منه هو بداية التخلص من مرحلة كاملة دامت أكثر من ست سنوات في ليبيا وخلفت دماراً شاملاً في النسيج الاجتماعي الليبي وفي الاقتصاد والبنية التحتية، كما يرى الباحث في الشأن الليبي مهدي ثابت.

اغتيال محمود الورفلي هو اغتيال لملف ملغوم وخطير على حفتر أولا وعلى مصر والامارات وفرنسا ثانيا. الثابت أن ليبيا سائرة...

Posted by Thabet Mehdi on Wednesday, March 24, 2021

تصفية حسابات قديمة

منذ سنة 2018 بدأت التصدعات تظهر بين حفتر ومليشياته السلفية، إذ كانت تفجيرات بنغازي وقتها بمثابة الإنذار العلني لهم، والتي أسفرت عن مقتل 41 شخصاً و83 جريحاً أمام أحد أهم المساجد التي تديرها السلفية المدخلية الموالية له.


ويُعد مسجد بيعة الرضوان الذي وقع قربه التفجيران في بنغازي، أبرز معاقل دعاة التيار المدخلي في المدينة، بالأهمية ذاتها التي عليها أحمد الفيتوري، آمر وحدة القبض والتحرّي الذي لقي مصرعه بالتفجيرات، من قيادات المدخلية في بنغازي، وهو عنصر عسكري بارز في كتائبها.


ظهر بعد التفجيرات بأيام، محمود الورفلي في مقاطع مصوّرة له وهو يُصفّي أشخاصاً أمام المسجد ذاته "بيعة الرضوان"، إذ انتقم في رسالة للرد على التفجير، وهو ما فُسّر على أنه رسالة لإيهام الرأي العام بأن خصوم حفتر هم وراء التفجير.

تسبب ذلك في مواجهة علنية بين الورفلي وحفتر، إذ أصدرت القوات العسكرية في بنغازي مذكرة اعتقال في حقه، ما دعاه إلى تسليم نفسه إلى إدارة السجون والشرطة العسكرية التابعة لحفتر، للتحقيق معه حول اتهامه بإعدامات ميدانية دون محاكمة.

أدى ذلك وقتها إلى خروج احتجاجات كبيرة في المدينة، وصلت إلى حد السيطرة على مقار عسكرية مهمة تابعة لحفتر حتى انتهت بإطلاق سراح الورفلي، ما يعكس قوة نفوذه ميدانياً.

هذا النفوذ انعكس في الفترة الأخيرة، حسب مصادر إعلامية ليبية، في أن القيادي السلفي الليبي استطاع خلال الأشهر الماضية تشكيل قوة عسكرية داخل بنغازي مكونة من عسكريين ومدنيين من مدينتي بنغازي وترهونة، متخذاً من معسكر الصاعقة بمنطقة بوعطني شرق مدينة بنغازي وشركة الجوف بمنطقة تيكة غرب مدينة بنغازي، مقراً لها.

وأوضحت وسائل الإعلام أن الورفلي أصبح لا يمتثل للأوامر العسكرية من القيادة العامة، وذلك لأنه يعتبر الطرف الأقوى عسكرياً حتى الآن بالتوازي مع اللواء 106 الذي يقوده نجلا خليفة حفتر، صدام وخالد.


وبمقتله يغلق ملف الإعدامات الميدانية التي قادها الورفلي، كما يغلق الصندوق الأسود لحفتر خلال معاركه الأخيرة ويجري التخلص من أحد مجرمي الحرب في ليبيا وأخطرهم.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً