حركة الملاحة في قناة السويس تتعرض لشلل تام بسبب جنوح سفينة شحن مملوكة لشركة تايوانية (Instagram)

فقد إغلقت قناة السويس بسبب جنوح سفينة الحاويات الضخمة "إيفر غيفين"، صباح يوم الثلاثاء الماضي 23 مارس/آذار 2021، مسببة ضرراً لأسواق النفط العالمية لا يتعلق فقط بالأسعار ولكن يؤثر أيضاً على سلاسل توريد، بالإضافة إلى تأثير الأزمة على قناة السويس نفسها التي سيكون عليها في المستقبل مواجهة منافسين جدد منحتهم الأزمة فرصة الوجود والظهور كبديل لقناة السويس.

حتى يمكننا تصور تأثير أزمة قناة السويس بشكل مبدئي على أسواق النفط العالمية سيكون من المهم معرفة حجم النفط الذي يمر عبر قناة السويس يومياً، والذي يقدر تقريباً بحوالي مليون ونصف المليون برميل، حيث يمر 600 ألف برميل في اتجاه الشمال من الخليج العربي وآسيا إلى أوروبا و850 ألف برميل في اتجاه الجنوب من أوروبا إلى آسيا، وهو ما يمثل 10% من حجم تجارة النفط عبر البحار عالمياً.

حتى هذه اللحظة وبعد مرور أربعة أيام منذ بداية جنوح السفينة "إيفر غيفين" والتسبب في إغلاق قناة السويس يمكن اعتبار التداعيات على أسواق النفط العالمية محدودة، والسبب الرئيسي يعود إلى تراجع الطلب على النفط عالمياً في الوقت الحالي بسبب إجراءات الإغلاق في أوروبا لمواجهة الموجة الثالثة لكورونا، وهذا يعني وفرة مخزونات النفط في أوروبا وأمريكا.

لكن التأثير الأكبر حتى هذه اللحظة سيكون على سلاسل توريد النفط العالمية، بمعنى آخر تأخر تسليم شحنات النفط في الوقت المحدد في عدد من مصافي التكرير في أوروبا وأمريكا، وبالتالي التسبب في تأخر تسليم الوقود والمنتجات المكررة، وهو ما سيدفع المستوردين في أوروبا وأمريكا إلى الاستيراد من مناطق أخرى لا يلزمها العبور من قناة السويس مثل خليج المكسيك أو بحر الشمال أو روسيا أو غرب إفريقيا كمحاولة لتقليل فترة التأخر التي تسببت فيها أزمة قناة السويس، لكن هذا الحل المؤقت لن يكون مناسباً في جميع الحالات، حيث إن بعض المصافي المصممة للعمل على مواصفات النفط الخليجي ستتأثر بسبب عدم جاهزيتها لاستقبال نفط من مصادر أخرى.

البدائل الحالية المتاحة لنقل النفط في مسار يوازي قناة السويس هي استخدام خط الأنابيب المصري سوميد والذي تبلغ طاقته الاستيعابية 2.8 مليون برميل يومياً، يستطيع نقلها في اتجاه الشمال فقط من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وخط الأنابيب الإسرائيلي إيلات-عسقلان والذي تبلغ طاقته الاستيعابية 600 ألف برميل يومياً، يستطيع نقلها في كلا الاتجاهين شمالاً وجنوباً.

وهنا نعود إلى الحديث مرة أخرى عن خط إيلات–عسقلان الذي عاد إلى الحياة بعد صفقة نقل النفط الإماراتي من خلاله في نهاية عام 2020، وحالياً تقوم إسرائيل بعملية تسويق كبيرة لنقل النفط من خلال الخط بأسعار منافسة لقناة السويس، لاسيما أن ميناءي إيلات وعسقلان لديهما القدرة على استقبال ناقلات النفط العملاقة التي تبلغ حمولتها مليوني برميل من النفط، والتي لا تستطيع المرور عبر قناة السويس بسبب عمقها وعرضها المحدودين.

خط إيلات–عسقلان الذي عاد للحياة بعد صفقة نقل النفط الإماراتي من خلاله في نهاية عام 2020. (Others)

وتمنح الأزمة الحالية إسرائيل فرصة لطرح الخط كبديل سريع لحل أزمة تأخر شحنات النفط، وفي نفس الوقت تمنح إسرائيل فرصة التسويق عالمياً للخط ولأسعاره التنافسية، ليصبح أحد البدائل المتوفرة أمام شركات النفط العالمية لنقل النفط في مسار موازٍ لمسار قناة السويس (الخريطة رقم 1).

واحد من البدائل الرئيسية التي يدور الحديث حولها كبديل وحل مؤقت لأزمة قناة السويس هو استخدام السفن والناقلات لمسار رأس الرجاء الصالح، والحديث عن هذا المسار لا يتعلق بالأزمة الحالية لقناة السويس، حيث إن استخدام المسار القديم لرأس الرجاء الصالح يعد تحدياً قائماً منذ بداية جائحة كورونا.

والسبب في ذلك يعود إلى أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط في عام 2020 بسبب تراجع الطلب خلال الجائحة دفع بعدد ليس بالقليل من ناقلات النفط إلى استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، تفادياً للتكاليف الباهظة لرسوم المرور عبر قناة السويس حيث كانت تتراوح ما بين 300 ألف و400 ألف دولار، ويمكن هنا تفهم الأسباب التي دفعت الحكومة المصرية منذ شهور إلى تخفيض رسوم مرور ناقلات النفط والغاز المسال عبر قناة السويس، في محاولة لجذب الناقلات مرة أخرى للقناة وتجنب مسار رأس الرجاء الصالح.

الفارق بين حركة مرور السفن من قناة السويس وحول رأس الرجاء الصالح. الصورة مأخوذة من موقع Splash (Others)

وعلى الرغم من أن الأزمة الحالية ربما تدفع عدداً من الشركات إلى اتخاذ مسار مؤقت عبر طريق رأس الرجاء الصالح، فإن قناة السويس ستظل هي الخيار الأنسب والأقل تكلفة، خاصة بعد التخفيضات التي أشرنا إليها سابقاً مقارنة بمسار رأس الرجاء الصالح.

ويمكن تخيل حجم الفارق بين المسارين إذا علمنا أن الناقلات المتجهة من الخليج العربي إلى بريطانيا عبر طريق رأس رجاء الصالح تحتاج إلى 10 أيام إضافية مقارنة بعبور تلك الناقلات من قناة السويس، وهي فترة زمنية كافية لتوضيح الفارق الكبير في الوقت وما يتبعه من تكلفة مقارنة بمسار قناة السويس.

توضح الخريطة رقم 2 حجم مرور ناقلات النفط عبر قناة السويس وطريق رأس الرجاء الصالح مع تزايد تداعيات جائحة كورونا في منتصف عام 2020، وبالرغم من تزايد استخدام طريق رأس الرجاء الصالح في هذه الفترة فإن الفارق يبدو واضحاً وضخماً في صالح قناة السويس.

الحديث عن تداعيات توقف قناة السويس عن العمل سيأخذ شكلاً مختلفاً في حال استمرت الأزمة عدة أيام أخرى كما يتوقع البعض، وهنا لن تكون التداعيات محدودة ولكنها ستكون مؤثرة في أكثر من اتجاه، وهذا يعني أن السؤال الرئيسي عن أزمة قناة السويس هو سؤال متعلق بالوقت، أو بمعنى آخر الإجابة عن سؤال متى تعود قناة السويس إلى العمل؟

استمرار أزمة القناة سيكون له انعكاسه المباشر والسريع على أسواق النفط والغاز العالمية، وعلى الرغم من أن توقف قناة السويس في الأيام الماضية ساهم في ارتفاع طفيف في أسعار النفط، فإن استمرار الأزمة مع انخفاض الطلب على النفط المصاحب لعمليات الإغلاق في أوروبا سيؤدي إلى تراجع ملحوظ في أسعار النفط. على الجانب الأخر، استمرار أزمة قناة السويس لعدة أيام سيفاقم من أزمة تعطل سلاسل توريد النفط، وهو ما سيتسبب في أزمة عالمية ليست فقط مرتبطة بالوقود ومنتجات التكرير وأسعار النفط، ولكنها ستمتد إلى سلاسل توريد منتجات أخرى، وأيضاً ستصل إلى مناطق وبلاد أخرى لا تعتمد على قناة السويس.

في نفس الوقت استمرار الأزمة لعدة أيام سيزيد من وتيرة التنافس في المستقبل بين قناة السويس والمنافسَين الجديدَين مسار رأس الرجاء الصالح وخط أنابيب إيلات-عسقلان الإسرائيلي، اللذين أتاحت لهما جائحة كورونا وأزمة قناة السويس الفرصة للعودة مرة أخرى كبدائل تنافس وتزاحم قناة السويس في خريطة التجارة العالمية لنقل النفط والغاز، وهو أمر سيدفع مصر إلى مزيد من التخفيضات والتسهيلات لمرور ناقلات النفط والغاز عبر قناة السويس، أوعلى أقل تقدير مد الفترة الزمنية للتخفيضات الحالية، وهي خطوات لا مفر منها في إطار الحرص على الإبقاء على عائدات قناة السويس في معدلاتها الطبيعية، حيث سجلت عائدات قناة السويس عام 2020 5.6 مليارات دولار.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي