الإعلام الإسرائيلي الرقمي الموجهة إلى العرب يمتلئ بالأخبار الكاذبة والتزييف (Others)

يمثل ذلك اعترافاً من "فليتشر" بدور الإعلام الرقمي وأهميته للدول، وأنه أصبح أمراً واقعاً لا مفر منه.

ولأنَ للإعلام قوة تفوق في كثير من الأحيان قوة السلاح، باعتباره "قوة ناعمة" قادرة على اختراق وعي الناس وتكييفه بما يخدم أهداف الوسيلة الإعلامية، كانت "إسرائيل" من أهم الدول التي أولت الإعلام الرقمي أهمية كبيرة، فدخلت عالم الرقمنة في وقت مبكر، وواكبت التطورات المتسارعة في هذا المجال للاستفادة من أدواته لمخاطبة الجماهير في الداخل والخارج وتغيير الصور النمطية السائدة حولها.

في هذا السياق استغلت مؤسسات الدولة الرسمية الإعلام الرقمي كأداة أساسية للتعامل مع الشعوب الأجنبية وشعوب المنطقة العربية بشكل خاص.

اهتمام ما قبل الدولة

في الحقيقة يُعد اهتمام "إسرائيل" بالإعلام الرقمي امتداداً تاريخياً لاهتمام الحركة الصهيونية بالإعلام والدعاية لتحقيق حلم الصهيونية بإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين. يظهر ذلك جلياً في إصدار مؤسس الصهيونية الحديثة "ثيودور هرتزل" مجلة "دي والت" التي تعني العالم، قبيل انعقاد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية عام 1897.

في افتتاحية العدد الأول من المجلة، عبرّ"هرتزل"، وهو صحافي يهودي من النمسا، عن الهدف الأساسي للمجلة في أن تُصبح حامية للشعب اليهودي، وسلاحاً ضد أعدائه.

كما يعترف رواد الحركة الصهيونية بدور الإعلام وأهميته في إنشاء دولة "إسرائيل"، حيث يقول "ديفيد بن غوريون"، أول رئيس وزراء للاحتلال: "لقد أقام الإعلام دولتنا على الخريطة، واستطاع أن يتحرك للحصول على شرعيتها الدولية، وتكريس جدارة وجودها، قبل أن تصبح حقيقة واقعة على الأرض".

تطورت أهداف الإعلام الإسرائيلي مع الوقت، وتحولت من إقامة وطن لليهود في فلسطين وكسب التأييد الغربي لشرعية ذلك الكيان، إلى سعي حثيث لتجميل صورة "إسرائيل" أمام الرأي العام العربي، وتصويرها كأفضل دولة في منطقة الشرق الأوسط، تؤمن بالسلام والحريات والرفاه والديمقراطية، بهدف الحصول على قبول عربي واعتراف بها بعد أن فشلت في تحقيق ذلك باستخدام القوة العسكرية والاقتصادية على مدى عقود طويلة.

ما يُسمح بنشره

مع ثورة الإعلام الرقمي أًصبح بإمكان "إسرائيل" ممارسة الدعاية بطريقة أكثر يُسراً. رويداً رويداً استطاعت "إسرائيل" التخلص من عزلتها في العالم العربي عبر إنشاء قنوات الدبلوماسية الرقمية الناطقة بالعربية، وهكذا بدأت تسخّر الإمكانيات التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي لاختبار القوة الناعمة والتأثير في الشعوب العربية دون الاكتفاء بالحكومات الرسمية.

المتابع للقنوات الرقمية الإسرائيلية الموجهة للعرب يدرك الكم الهائل في اعتماد هذا الإعلام على سردية مفرطة في تكرار بعض الأحداث وتضخيمها، خاصة تلك المتعلقة بإظهار الجوانب الإيجابية لدولة الاحتلال الإسرائيلي كدولة ديمقراطية تسعى للسلام وتمتلك جيشاً إنسانياً متحضراً. لذلك تغرق مواقع التواصل الاجتماعي بالدعاية لـ"إسرائيل"، بما لا يخرج عن إطار تحقيق الأهداف الاستراتيجية للأيديولوجية الصهيونية.

لكن ما لا تقوله إسرائيل عبر إعلامها الرقمي أهم بكثير ممَّا قيل، إذ تتجنب الصفحات الرقمية ذكر كل ما له علاقة بممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين من قتل وتشريد واعتقال. حتى على صعيد الوضع الداخلي، يغفل الإعلام الإسرائيلي عن الإشارة إلى الأزمات السياسية الحكومية في البلاد، أو الحديث عن تداعيات فيروس كورونا على دولة الاحتلال اقتصادياً واجتماعياً وصحياً، كما يتجنب هذا الإعلام الإشارة إلى أي احتجاجات شعبية ضد الإجراءات الإسرائيلية ضد الفيروس، أو اعتداء الشرطة الإسرائيلية على المتطرفين اليهود "الحريديم" بسبب رفضهم لتلك الإجراءات.

وفي الوقت الذي يروج فيه هذا الإعلام للتطور العلمي والطبي والاقتراب من إنتاج لقاح ضد فيروس كورونا، لا يمكن أن تجد خبراً عن حجم الوفيات والإصابات في "إسرائيل" بسبب الفيروس والتي زادت على 5 آلاف حالة وفاة ونصف مليون إصابة.

التضليل والتزييف

من وسائل التضليل التي توظفها "إسرائيل" عبر إعلامها الرقمي أنسنة الجنود الإسرائيليين وتصويرهم على أنهم بشر مثلنا، وليس كما يتم تصويرهم في الإعلام الفلسطيني والعربي. في الوقت ذاته، تمتنع الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية عن نشر الأعمال الوحشية للجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.

على سبيل المثال، نفذ الجيش الإسرائيلي مؤخراً هدماً للعديد من التجمعات البدوية الفلسطينية في الضفة الغربية وشردَ العشرات من السكان بمن فيهم النساء والأطفال في العراء والبرد. لكنّ أياً من ذلك لم يجد مساحة على القنوات الرقمية الإسرائيلية. في المقابل وبالتزامن مع تهجير هؤلاء السكان، نشرت صفحة "إسرائيل تتكلم العربية" صورة عاطفية لجندي إسرائيلي يساعد طفلاً فلسطينياً على إصلاح دراجته.

لكن هذه الصفحة وغيرها من المواقع الرقمية امتنعت عن نشر صورة لمجندات إسرائيليات وهن يلتقطن صورة "سلفي" ابتهاجاً بتفجير أحد منازل الأسرى الفلسطينيين في مدينة جنين مؤخراً.

في مسألة أخرى، احتفت الصفحات الرقمية بنقل لقاح فيروس كورونا إلى السلطة الفلسطينية، في محاولة لإظهار نفسها دولةً تقدم المساعدات للغير بمن في ذلك الفلسطينيون الذين تعتبرهم دولة الاحتلال "العدو". لكن هذا الإعلام نفسه يرفض الحديث عن العنصرية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 خلال أزمة كورونا، حيث امتنعت الحكومة الإسرائيلية بداية الأزمة عن نشر أي تعليمات حول الفيروس باللغة العربية في المدن والبلدات الفلسطينية في الداخل، كما عانى الفلسطينيون هناك من قلة المراكز المخصصة للكشف عن الفيروس مقارنة بما تمتلكه التجمعات اليهودية، وهو ما أثار حفيظة نواب الكنيست العرب والمنظمات الحقوقية التي انتقدت إسرائيل على هذه السياسة العنصرية.

تزييف الوعي

في انتقاده لمضامين الإعلام الإسرائيلي في سياق الصراع العربي الإسرائيلي، يقول الباحث الإسرائيلي "يزهار بئير": "قدرة وسائل الإعلام على تشكيل وعي زائف لا تتطلب الكذب بالضرورة، بل يمكن تحقيق النتائج أيضاً عن طريق حجب معلومات وتشجيع الجهل، لأن الجهل لا يقل غائيّة عن الوعي".

في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول من عام 2020، نشرت صفحة "إسرائيل تتكلم العربية" مقطع فيديو من 3 دقائق للتعريف بالحركة الصهيونية، صوّر الأخيرة على أنها حركة وطنية ساهمت في لملمة شتات اليهود الذين تعرضوا للمحرقة النازية والاضطهاد الديني في الغرب والعالم العربي، وأنشأت لهم وطناً على أرض "إسرائيل".

لم يكتف هذا المقطع المصور بتزييف حقيقة الحركة الصهيونية والأيديولوجيا التي تستند عليها، بل تطاول باقتباس آيات قرآنية واستخدامها بما يتلاءم مع الادعاءات الدينية اليهودية حول (وعد الله لبني إسرائيل بأرض "إسرائيل").

هنا تظهر بوضوح الاستراتيجية التي يسير عليها الإعلام الإسرائيلي من حيث التسويق لدولة "إسرائيل" وكسب مشروعيتها باستخدام الادعاءات الأسطورية، دون الإشارة بالمطلق إلى ما انطوى على ذلك من احتلال لأرض الفلسطينيين والتسبب في نكباتهم ومآسيهم.

بالتالي يكاد من الصعب فصل استراتيجيات الإعلام الرقمي الموجه للعرب عن الأهداف القومية لدولة الاحتلال الإسرائيلي والمستمدة من فكر الحركة الصهيونية.

إن تزييف الوعي العربي ليس إلا مقدمة لهدف أكبر يتمثل في التحكم في أفكار الناس وسلوكياتهم، خاصة تلك المتعلقة بنظرتهم تجاه دولة "إسرائيل"، وهذا ما تراهن عليه دولة الاحتلال عبر إعلامها الرقمي كي تصل إلى اليوم الذي يقبلها العرب كدولة طبيعية.

تبديل الأولويات

في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يعتمد الإعلام الإسرائيلي استراتيجية شيطنة الفلسطينيين ومقاومتهم من جهة، وبث الشائعات واختلاق الأحداث خاصة تلك المتعلقة بتحسن العلاقات مع العرب بعد توقيع اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية من جهة أخرى.

مؤخراً كثفت الآلة الإعلامية الرقمية الإسرائيلية من بث منشورات ورسائل (دون الإشارة إلى أي مصدر يؤكدها)، تعبر عن مواقف أفراد عرب من "إسرائيل" ورغبتهم في تحقيق السلام معها. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بنفسه يتبجح عبر صفحته على تويتر بجهوده في الوصول إلى اتفاقيات "أبراهام" وآثارها الإيجابية على الدول العربية التي خاضت غمار التطبيع مع "إسرائيل".

إذا ما بحثنا في الغاية من ذلك، سنجد أن دولة الاحتلال تجند إعلامها الرقمي بقوة لتبديل الأولويات في الوعي العربي، بحيث تصبح قضية فلسطين هامشية في الوعي العربي، وبالتالي عزل الفلسطينيين عن محيطهم حتى يشعروا بأن قضيتهم لم تعد تهم أحداً من العرب والمسلمين. وهنا تبرز أهم وأخطر الاستراتيجيات الإسرائيلية الإعلامية لتصفية قضية العرب الأولى وكي الوعي لدى الإنسان العربي إزاءها.

وكما أن لوسائل الإعلام القدرة على تأطير الواقع وملء وعي الشعوب بالمضامين المختلفة، يمكنها أيضاً اختراق عقولهم وإفراغها من المعلومات والفهم السياسي، وهو تماماً ما تفعله "إسرائيل". ما قد يساعد على تحقيق ذلك ضعف المحتوى الإعلامي الرقمي الفلسطيني وعجزه عن منافسة قوة المضامين الإسرائيلية وتأثيرها، حتى إن كانت ذات معلومات مضللة وزائفة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي