الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس التركي رجب طيب أردوغان (AFP)
تابعنا

الرئيس التركي توقف أكثر من مرة عند الاتصالات واللقاءات التي جرت في الأشهر الاخيرة بين القيادات السياسية في البلدين سواء من خلال الاتصال الهاتفي الذي أجراه مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، العام الماضي أو من خلال زيارة وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو السعودية، ولقائه نظيره السعودي فيصل بن فرحان

المؤكد أن أنقرة متمسكة بتعزيز علاقاتها مع السعودية و"بدفع الحوار نحو مرحلة إيجابية متقدمة" كما قال الرئيس أردوغان، لأنها تعتبر ذلك خطوة أساسية في استراتيجية تحركها الانفتاحي الإقليمي والعربي الجديد وتحديداً في مسار علاقات تركيا مع مصر والمنظومة الخليجية.

ما تردده أنقرة اليوم فيه كثير من الرغبة التركية في العودة إلى أجواء زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز لتركيا في مطلع شهر أبريل/نيسان 2015 والتي أسهمت يومها في إنجاز 6 قمَم بين البلدين على أعلى المستويات، بعيداً عن الأضواء وبدبلوماسيةٍ هادئة توّجت بإنجاح زيارتي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لتركيا خلال عام واحد، وزيارات أردوغان الثلاث للرياض خلال الفترة نفسها.

عديد من المؤشرات يقول إن الاتصالات التركية السعودية التي بدأت في شهر مايو/أيار المنصرم من خلال اجتماع وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في مكة بحضور كبار الدبلوماسيين العاملين في البلدين، والتي تبعها لقاء ثان في يوليو/تموز الماضي على هامش أعمال مؤتمر آسيا، ثم تلا ذلك اتصال بين مساعدي وزيري خارجية البلدين، ثم بزيارة وزير التجارة السعودي ماجد عبد الله القصبي أنقرة في 25 نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم ولقائه نائب الرئيس التركي فؤاد أوكتاي، لتتوج كل هذه السلسلة باتصال الرئيس أردوغان والعاهل السعودي باتجاه إعلان انطلاق صفحة جديدة من العلاقات ترجمها الرئيس التركي بإعلانه أنه تلقى دعوة من الملك سلمان لزيارة السعودية وأنه قبل الدعوة

كان حتماً لتراكمات السنوات الاخيرة الماضية ما يكفي من الأسباب لتأزيم العلاقات لكن تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو بعد زيارته المملكة حول عقد "اجتماعات منفتحة وصريحة للغاية"، وتناول "بعض الإشكاليات في علاقاتنا"، ونقاش "كيفية تعزيز التعاون في العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية" مؤشر على جدية التوجه نحو إعادة تطبيع العلاقات الثنائية، فضلاً عن تأكيد مواصلة الحوار.

هذا فضلاً عن الموقف السعودي الجديد حول العلاقات بين أنقرة والرياض الذي ترجمه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل، في نهاية العام 2020 على هامش أعمال قمة زعماء مجموعة العشرين، التي انطلقت في الرياض بقوله إن "المملكة لديها علاقات طيبة ورائعة" مع تركيا و"لا توجد بيانات تشير إلى وجود مقاطعة غير رسمية للمنتجات التركية" تعكس انطلاقة الخطوات الاولى باتجاه المصالحة واعادة العلاقات إلى ما كانت عليه

الواضح تماماً أن أنقرة والرياض تريدان أن تستعدا لمرحلة ما بعد نتائج المحادثات النووية الغربية الإيرانية في فيينا تجنباً لأي مفاجآت إقليمية قد تحدث وتؤثر على لعبة التوازنات والمعادلات القائمة في المنطقة، مشابهة لما جرى في العام 2011 عندما قررت واشنطن الانسحاب من العراق وفتح الطريق أمام طهران للانتشار والتمدد هناك على حساب اللاعبين المحليين و الإقليميين.

كما أن سياسة الادارة الأمريكية الجديدة حول منطقة الشرق الأوسط وتصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن حول رؤية إدارته في التعامل مع عديد من الملفات الإقليمية بين الأسباب التي تقرّب اليوم أكثر فأكثر بين أنقرة والرياض.

هذا إلى جانب ملفات إقليمية حساسة مرتبطة بإعادة التموضع من أكثر من دولة فاعلة في الإقليم، وباتت تتطلب هذا التنسيق التركي السعودي كي لا تُرسم الخرائط على حسابهما في سوريا ولبنان تحديداً.

دون أن نغفل قضايا سياسية واستراتيجية تستدعي التفاهم والتنسيق حولها في الملف الليبي واليمني في إطار حوار عربي تركي جديد بدأ يظهر إلى العلن بعد الاتصالات التركية-المصرية والتركية-الإماراتية والتحرك القطري الموازي باتجاه هذه العواصم بهدف تسريع ترتيب الطاولة العربية التركية المشتركة للتعامل مع هذه القضايا.

لقد عانت العلاقات التركية-السعودية منذ 4 سنوات تحديداً وحتى اليوم من تعقيدات ملفات ثنائية وإقليمية عديدة. تصريحات إبراهيم قالين المتحدث باسم الرئاسة التركية حول موضوع جريمة جمال خاشقجي، ملف الخلاف التركي السعودي الأهم، وإعلانه قبول تركيا قرارات القضاء السعودي وترك الجانب القضائي الآخر المتعلق بالقضية بيد القضاء التركي، شكّل نقطة تحول مهمة في مسار القضية. كذلك تطورات المصالحة الخليجية الخليجية التي تمت خلال قمة العلا في المملكة العربية السعودية، والتي فتحت الأبواب أمام إعادة العلاقات بين المنظومة الخليجية إلى سابق عهدها، وكان لها، شئنا ام أبينا، ارتداداتها الايجابية على مسار العلاقات التركية مع دول الخليج، وأنهت كثيراً من التوتر حول الملف بين أنقرة وعديد من العواصم العربية.

ثم كانت الاتصالات التركية-المصرية ورغبة التهدئة بين البلدين في ملفات عديدة يتقدمها الموضوع الليبي ليسهل كل ذلك توسيع رقعة التقارب والحوار التركي العربي الذي تُوج قبل فترة قصيرة بزيارة الرئيس أردوغان الإمارات العربية المتحدة وما رافقها من عقود واتفاقيات وتفاهمات إقليمية استراتيجية. المنتظر اليوم هو موعد لقاء القمة التركي السعودي وإنجازه لتنتقل الأمور إلى تسريع الحوار التركي-المصري باتجاه استكمال دائرة المصالحة التركية العربية.

كتب الإعلامي السعودي المعروف عبد الرحمن الراشد بتاريخ 30 أكتوبر/تشرين الأول 2018 مقالاً تحت عنوان "السعودية وتركيا والزعامة" يقول فيه إنه "عدا ما يُكتب إعلامياً، لا توجد منافسة تركية سعودية حقيقية على الزعامة، هناك تنافس على قضايا وملفات، وهناك توافق على أخرى، إلى حين وفي انتظار تفاعلات قضية خاشقجي. وهذا ما رمى إليه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عندما قال إن هناك من يحاول خلق شرخ مع تركيا. لأن سياسة الرياض دفاعية عن حدودها وفلكها الإقليمي وليست منافسة لتركيا ".

الواضح تماماً اليوم هو أن ما تسعى له أنقرة هو إنجاز عملية المصالحة والتطبيع من خلال انطلاقة جديدة مع الرياض، إلى جانب قناعة تعزيز وتفعيل الشراكة العربية الخليجية والتركية العربية، باتجاه تسجيل اختراق حقيقي في حلحلة الملفات وتسوية الخلافات.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي