تنتهج دولة الإمارات، منذ ما يقرب من عقد على وجه الخصوص، سياسة تدخليّة مزعزعة للاستقرار في عديد من دول المنطقة، الأمر الذي تسبب في الكثير من الكوارث الإنسانية التي ذاق مرارتها عشرات الآلاف بل الملايين من البشر في اليمن والسودان وليبيا ومصر وغيرها.

وهي بذلك تجعل من نفسها نموذجاً إمبريقياً وأخلاقياً لكل أولئك الذين يريدون دراسة أو تصنيف ما يُعرف في علم السياسة "بالدول المارقة".

وإذا كان هذا المصطلح قد أخذ رهينة لسنوات طويلة من قبل الولايات المتحدة لتنعت به تلك الدول التي لا تنصاع لسياساتها كإيران، والعراق-صدام حسين، وليبيا-القذافي، وكوريا الشمالية، فإن الوقت حان لتحرير هذا المصطلح من هيمنة الدول الكبرى، وإسناده بدلاً من ذلك إلى معيارٍ تجريدي يلتصق بالمبادئ، والأحكام، والأعراف، والقوانين التي ترسخت عبر السنين لتكون القواعد الناظمة للعلاقات بين الدول في النظام الدولي.

لقد أدت هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي من جانب، وهيمنة المدرسة الواقعية على حقل دراسة العلاقات الدولية من جانب آخر، إلى تصنيف الدول المارقة تصنيفاً يتسم بالازدواجية وغياب الحيادية. فهذه الدول، وفق هذا التصنيف، هي تلك التي تعارض سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، أو إنها تلك الدول التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل، وتدعم "الإرهاب"، وتمارس انتهاكات جسيمة بحق رعاياها المواطنين. وقد اكتسب هذا المصطلح وفق هذا التصنيف زخماً كبيراً خصوصاً بعيد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتعددت المفاهيم التي استخدمت من الدول المارقة، مروراً بالدول المنشقة، وصول إلى محور الشر الذي ضربه الرئيس بوش بعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ولا يخفى ما بهذا التصنيف من قصور، سواء من حيث الدلالة أو التوظيف السياسي. إن أحد أهم أوجه قصوره أن المارقية، إذا صح التعبير، التي تُنعت بها دولة معينة تحدَّد حسب درجة قربها من الدولة المهيمنة. فالهند وباكستان على سبيل المثال وهما من الدول التي تملك أسلحة الدمار الشمال النووية لا تصنَّفان على أساس أنهما دولتان مارقتان، فيما توصف كل من إيران وكوريا الشمالية بذلك. وقد تعمل الدولة المهيمنة على تخفيف حدة الوصف لتستبدل بلفظة المارقة لفظة أخرى من قبيل "الدول محل الشك" على سبيل المثال، وذلك وفق درجة الانفتاح السياسي.

في الآونة الأخيرة بدأ يطفوا على الساحة صوت آخر يدعو إلى تصنيف "الدول المارقة" بناء على مدى التزام الدولة القانون الدولي أو الأعراف الدولية، لا حسب درجة قربها أو بعدها من الدول العظمى. إن أهم هذه الأعراف التي إذا انتهكتها دولة ما صار لزاماً وصفها بالمارقة هي دعم الكيانات غير الشرعية وغير المعترف بها من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.

إن نظرة خاطفة على سلوك دولة الإمارات بزعامة محمد بن زايد يؤكد أنها من خلال نمطها الدائم في دعم الكيانات غير الشرعية تستأهل وبكل جدارة أن تصنّف بأنها واحدة من أكثر الدول المارقة هذه الأيام. وعندما أقول نمط، فهذا حصيلة مشاهدات تكاد تحظى بالإجماع لدى المراقبين كافة. ففي ليبيا على سبيل المثال، وهي واحدة من أكثر الساحات سخونة حالياً في المنطقة، تدعم الإمارات خليفة حفتر، وهو الجنرال الانقلابي، ضد الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً في طرابلس أي حكومة الوفاق. وقد شمل هذا الدعم الأشكال كافة: من دعم دبلوماسي وسياسي وإعلامي ومالي إلى الدعم العسكري الكثيف والمباشر.

وفي اليمن، وعلى الرغم من أنها دخلت الحرب بناء على دعم الشرعية، فإنها ما فتئت تعمل على ضرب الشرعية من خلال تشكيلها لمليشيات غير شرعية بل وانفصالية أصبحت تحارب قوات الحكومة الشرعية لانتزاع جنوب اليمن وإعلانه دولة مستقلة. ولا يخفى أن السبب وراء هذه السياسة يكمن في مطامع دولة الإمارات بالسيطرة على المواني الحيوية في منطقة بحر العرب والبحر الأحمر نظراً إلى أهميتها الاستراتيجية في التجارة الدولية.

فالنزعة إلى السيطرة على المواني الاستراتيجية هذه هي التي دفعت الإمارات أيضاً، على سبيل المثال، إلى دعم الكيانات غير الشرعية في منطقة القرن الإفريقي. فالإمارات سعت لبناء وجود لها في أرض الصومال عبر ميناء بربرة بطريقة غير شرعية من خلال الالتفاف على الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وهو الأمر ذاته الذي تكرر في أرض البنط الصومالية أو التي تعرف ببونتلاند، حيث تعمل الإمارات على تطوير ميناء بوصاصو بعيداً عن موافقة الحكومة الشرعية هناك.

هذا فضل عن الدعم الذي سعت الإمارات دوماً لتقديمه للعسكر في بعض الدول من أجل القيام بالانقلابات التي تأتي بالجيش إلى سدة الحكم. فالإمارات جنباً إلى جنب مع السعودية دعمت عبد الفتاح السيسي بعشرات المليارات من أجل تنفيذ ومن ثم تثبت انقلابه العسكري على الرئيس المنتخب شرعياً محمد مرسي، كما أنها سعت إلى تمويل الانقلاب الفاشل الذي وقع في تركيا عام 2016، وأخير اًدعم الانقلابين في السودان الذي يسعون جاهدين للسيطرة على الحكم بشكل فاضح.

أما ثالثة الأثافي فهي الخطوات التي بذلتها دولة الإمارات في مدينة القدس والتي تمثلت بشراء العقارات من الفلسطينيين عبر وسطاء ومن ثم تسليمها للمستوطنين. ومعروف عند الجميع أن الاستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 غير شرعي وفق القانون الدولي، والإمارات تساهم عبر التحايل في تعزيز التوسع غير الشرعي للمستوطنات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية.

إن إحصاء الأدوار غير الشرعية التي تقوم بها دولة الإمارات لدعم الكيانات غير الشرعية والتي من شأنها إطالة أمد الصراعات، والتسبب بالتالي في حالة عدم الاستقرار، لا يمكن حصرها في مقال واحد. إنها نموذج يحتاج إلى دراسة معمَّقة للنظر في الأسباب والدوافع وراء هذه السياسة التخريبية والتي في بعض الأحيان تكون خارج الحسابات المنطقية.

لقد كان النمط العامّ في التعاطي مع الدول المارقة هو فرض العقوبات الاقتصادية عليها، وحرمانها من التعاملات المالية الدولية، وعزلها سياسياً. إن هذه السياسات هي التي يجب أن تطبَّق بحق دولة الإمارات. وإذا كان تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل يعطيها حصانه دولية، فإن الحكومات الشرعية المتأذية من سياسة الإمارات التدخلية تستطيع أن تلجأ إلى المحاكم الدولية لمحاسبة المسؤولين عن انتهاكات كهذه، خصوصاً أنها، أي الانتهاكات، لم تعد تجري في السر، بل في العلن أمام مرأى العالم، وعليها كثير من البراهين والدلائل.

لا شك أن واحداً من أهم شروط عودة الاستقرار إلى المنطقة العربية يكمن في اتخاذ خطوات حازمة نحو تحجيم دولة الإمارات، ومنعها من ممارسة أدوارها التخريبية. فأبو ظبي تدعم الإرهاب، وتجلب المرتزقة، وتنتهك قرارات الأمم المتحدة، ولا نريد الحديث عن أسلحة الدمار الشامل، فالدمار الشامل الذي تسببه الإمارات يحدث من غير امتلاك هذه الأسلحة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي