لا يمكن أن تتحول دولة ما إلى الحكم الديمقراطي ما لم يكن نظامها السياسي مؤمن بأهمية هذا التحول. إن اعتبار الديمقراطية تهديداً لأمن النظام يُبعد الشعوب عن تحقيق حُلمها بالحكم الديمقراطي وسيادة القانون.

في مصر يحدثوننا دوماً عن ديمقراطية وشيكة لا يأتي أوانها أبداً، فطوال ستة وستين عاماً ، هي عمر الجمهورية في مصر، كان حكام مصر من العسكريين أو العسكريين السابقين يحرصون دوماً على إظهار إيمانهم بالديمقراطية كقيمة وكنظام حكم، فـ" إقامة حياة ديمقراطية سليمة" كان هدفاً من الأهداف الستة لحركة الضباط الأحرار حتى من قبل إعلان الجمهورية، لكنهم ، على الجانب الآخر، كانوا دوماً يتشكّكون في توافر الظرف الملائم لإقامة هذا النظام.

فخلال العهد الناصري، كانت هناك أولوية حماية الثورة من أعدائها، سواء من القوى الرجعية أو الاستعمار، كما كان هناك عدم توافر الشرط الاجتماعي لقيام نظام ديمقراطي سليم؛ لأن حرية الخبز؛ أولا، بعدها حدث الصدام مع إسرائيل ونكسة 1967؛ ليرتفع شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، ويجعل من الديمقراطية مَرة أخرى حلماً مؤجلاً، على الرغم من تعالي المطالبات بالإصلاح السياسي عام 1968.

حقبة السادات شهدت عملية "لبرة" محدودة، لبناء شرعية سياسية جديدة بعد التخلص من "مراكز قوى" النظام الناصري عام 1971، وللتكيف مع مقتضيات مرحلة ما بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول والتقارب مع المعسكر الليبرالي الغربي. لكن هذه المرة أيضاً كان يجب ألا يعلو أي صوت على صوت عملية السلام، كما تمّ الادّعاء بأن استقرار البلاد مازال مزعزَعاً بسبب القوى اليسارية تارة، والحركات الإسلامية والفتنة الطائفية تارةً أخرى، لذا كان على السادات أن يذكّر المصريين من آن لآخر أن "الديمقراطية لها مخالب وأنياب"، وأنه كـ"رب العائلة" خارج المنافسة السياسية الشكلية التي أتاحتها التعددية الحزبية المقيدة التي بدأت عام 1977.

النظام السياسي الذي تأسس مع ميلاد الجمهورية في مصر لم يكن ينتوي جدياً أن يقيم نظاماً ديمقراطياً.

محمد عفان

وخلال فترة حكم مبارك، وعلى الرغم من انتهاء ملحمة "الحرب والسلام" مع إسرائيل، لم يكن الظرف مهيئاً أيضاً لإقامة الديمقراطية في مصر، هذه المرة نتيجة عوامل داخلية بالأساس؛ تفجر الصراع مع الجماعات الإسلامية، والذي دشنه مشهد اغتيال الرئيس السابق على الهواء مباشرة، استمرار التوتر الطائفي بين المسلمين والأقباط، والذي كان يتفجر من وقتٍ لآخر، علاوة على عدم الاستقرار الناشيء عن سياسات الإصلاح الاقتصادي "المؤلمة" كما كانت توصف. وعلى الرغم من النضال المستمر لأحزاب سياسية وحركات اجتماعية من أجل إحداث تحوّل ديمقراطي، بالإضافة إلى الضغوط الدّولية، خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فإن مبارك وحزبه استطاعا أن يظلا قابضين على السلطة لنحو ثلاثين عاماً.

ربما لم نكن في مصر قريبين من "إقامة حياة ديمقراطية سليمة" كما كنا في مثل هذا اليوم منذ ثماني سنوات، حين اضطر مبارك إلى التنحي في الحادي عشر من فبراير/شباط 2011 بعد ثمانية عشر يوماً من التظاهرات المستمرة. بيان التنحي أذاعه نائب الرئيس آنذاك اللواء عمر سليمان، والذي لم ينس قبل التنحي ببضعة أيام أن يؤكد مع محاورته الأمريكية إيمانه بالديمقراطية ليعقب بعدها قائلا "لكن متى يمكننا إقامة هذا النظام؟! متى يمكن للناس هنا أن تكون لديهم ثقافة ديمقراطية؟!".

فترة التحول الديمقراطي القصيرة شديدة الاضطراب، والمتعثرة التي انتهت بانقلاب 3 يوليو/تموز 2013 أعادت مصر مرة أخرى إلى حكم العسكريين بشكل أكثر عنفاً وتوحشاً، وأعادت خطاب أن مصر غير مؤهلة للديمقراطية مرة أخرى، على الرغم من مضي ستين عاماً على إطلاقه خلال أزمة مجلس قيادة الثورة عام 1954. فعلى سبيل المثال أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي -قائد الانقلاب العسكري- لصحيفة فرنسية احترامه للديمقراطية، لكنه، متبعا نفس المنطق التقليدي، عقّب قائلا: إن تحقيق الديمقراطية في مصر قد يتطلب عشرين أو خمسة وعشرين عاماً. علاوة على ذلك، فإنه في هذه الأيام، تجري محاولات تعديل الدستور على قدم وساق لفتح المجال أمام هذا الرئيس لكي يظل في السلطة حتى عام 2034.

بعد هذا الاستعراض الموجز يبقى السؤال المنطقي: ما الذي يمنع دولة من الدول أن تتهيأ للحكم الديمقراطي رغم مرور نحو ستة وستين عاما؟! بل: هل هناك ما يعرف بالتهيئة للحكم الديمقراطي بالأساس؟! وإجابتي المباشرة على هذا السؤال -من خلال دراسة أدبيات التحول الديمقراطي- هو أن النظام السياسي الذي تأسس مع ميلاد الجمهورية في مصر لم يكن ينتوي جدياً أن يقيم نظاماً ديمقراطياً. فالتهيئة لنظام ديمقراطي لا تتضمن بأي حال من الأحوال تسييس جهاز الدولة وربطه بالنظام السياسي، والتزوير الفجّ للانتخابات لاحتكار السّلطة، والتلاعب بالدساتير والقوانين وإفساد القضاء، وإضعاف الحياة الحزبية والتفكيك الممنهج للقوى السياسية، واختراق مؤسسات المجتمع المدني والنقابات، ومنع الممارسات الديمقراطية حتى على مستوى الاتحادات الطلابية، وإطلاق قبضة الأجهزة الأمنية لانتهاك حقوق الإنسان بلا حساب، والإعلام الموجّه من الأمن الوطني والشؤون المعنوية، وتأميم المؤسسات الدينية لصالح النظام الحاكم.

كان من أسباب فشل التحول الديمقراطي في مصر في الفترة ما بين2011-2013 غياب البنية المؤسسية السياسية والاجتماعية والثقافة الداعمة للنظام الديمقراطي.

محمد عفان

حقيقةً، كان من أسباب فشل التحول الديمقراطي في مصر في الفترة ما بين2011-2013 غياب البنية المؤسسية السياسية والاجتماعية والثقافة الداعمة للنظام الديمقراطي، لكن ألم يكن ذلك بالأساس بسبب تجريف الحياة السياسية وتخريب البنى الاجتماعية في مصر على يد النظام السلطوي شبه-العسكري المتحكم في السلطة لأكثر من نصف قرن؟! وفوق ذلك؛ ألم تعمل الدولة العميقة على إرباك هذا التحول -المرتبك أصلاً- عبر اصطناع أزمات انسحاب الشرطة والفلتان الأمني، وتدبير حوادث القتل الجماعي باسم الطرف الثالث أو التواطؤ معها، وأزمات الكهرباء والبنزين ونحوها من الأزمات المعيشية، والالتفاف على الاستحقاقات الانتخابية بتفريغها من مضمونها عبر قرارات المحكمة الدستورية العليا المسيسة والإعلانات الدستورية التي كان يصدرها المجلس العسكري، علاوة على ما كان يقوم به الإعلام الموجّه من حملات إعلامية مضللة؟!

إن التهيئة لنظام حكم ديمقراطي تكون -ببساطة- عبر الممارسة الديمقراطية ذاتها، وعملية البناء المؤسسية وتكوين الثقافة اللازمة لاستقرار النظام الديمقراطي تكون بتوسيع دوائر المشاركة والإدماج السياسي بما يسمح بتكوين وعي وخبرة متراكمة لدى المواطنين، وبما يتيح تكوين طبقة من السياسيين ورجال الدولة القادرين على القيام بمختلف الوظائف داخل النظام السياسي بفاعلية وكفاءة. بدون ذلك، ستظل مصر رهينة نظام استبدادي، لا ينفك يمنيها باقتراب الديمقراطية، وفي نفس الوقت، يبذل كل وسعه ألا تأتي هذه اللحظة أبداً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي