كان من المصادفات أنه في وقت زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، جرى إقرار مقترح قانون من حكومة الكاظمي باختيار الثالث من أكتوبر/تشرين الأول من كلّ عام عيداً وطنياً للعراق، وهو تاريخ دخول العراق إلى عصبة الأمم المتحدة ونيله الاستقلال عن بريطانيا في عام 1932.

في زيارته الخاطفة لبغداد التقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقريباً بكل الشخصيات النافذة في السلطة العراقية من حكومة وبرلمان ورئاسات وسلطة قضائية، وحصلت الصور الملتقطة معه على تعليقات ساخرة كثيرة في مواقع التواصل العراقية.

ما أثارني أكثر من السخرية العراقية المعتادة، وهي سخرية موجّهة إلى الطبقة السياسية العراقية وليست إلى الضيف ماكرون بكلّ تأكيد، هو مصافحة الرئيس الفرنسي لوزيرة الهجرة والمهجّرين إيفان فائق جابرو، من بين الضيوف الذين حضروا في مجلس رئيس الجمهورية برهم صالح.

نشر المكتب الإعلامي للوزيرة صورة المصافحة مع تعليق طويل يحكي عن مضمون ما دار من كلام بين الوزيرة والرئيس الفرنسي. وشخصياً لا أتصور أن الوقت كان كافياً لسرد هذا التعليق الطويل، بالطريقة المتماسكة التي يعرضها منشور موقع الوزارة.

اقرأ أيضا:
الأدب في مواجهة واقع محتدم ومتحرّك

المثير في هذا المنشور هو استعراض السيدة إيفان جابرو، المسيحية كلدانية الأصل، لدور الكلدان في العراق، وأنهم هم أصحاب الحضارات البابلية، ومجمل المنجزات التي تسجّل عادة تحت اسم الحضارات العراقية القديمة.

كانت التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي على هذا المنشور على ثلاثة أنواع: من كلدان حيّوا الوزيرة على كلامها، ومن مسيحيين عراقيين ليسوا كلداناً، قد يكونون سرياناً أو آثوريين، اعترضوا على هذا التضخيم لدور الكلدان وتجاهل بقية الطوائف المسيحية، الذين يشتركون مع الكلدان في أصولهم ذات الجذور العميقة في الأرض العراقية.

والفئة الثالثة كانت لعراقيين ليسوا مسيحيين، اعترضوا على هذا الاستحواذ في كلام الوزيرة على كلّ تراث العراق ونسبته إلى مكوّن واحد من مكوّنات العراق.

قد يبدو الموضوع شكلياً وصغيراً، ولكنه في الحقيقة يلقي الضوء على جانب من الأزمة العراقية الكبيرة المتعلقة بتعريف هوية العراق، وعلاقة حاضر العراق بماضيه والتصارع على سردياته، وبقاء أفق المستقبل، تبعاً لذلك، مجهولاً وغير واضح.

كان من المصادفات أنه في وقت زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، جرى إقرار مقترح قانون من حكومة الكاظمي باختيار الثالث من أكتوبر/تشرين الأول من كلّ عام عيداً وطنياً للعراق، وهو تاريخ دخول العراق إلى عصبة الأمم المتحدة ونيله الاستقلال عن بريطانيا في عام 1932.

ما زال العراق، بعد 17 عاماً من إلغاء الأعياد الرسمية لحقبة نظام صدّام، بلا عيد وطني. وفشلت كلّ المحاولات على مدى أكثر من عقد ونصف من عمر الدولة الجديدة في إقرار يوم وطني للعراق، ونشيد وطني جديد بدل النشيد الحالي الذي تم اختياره اعتباطياً بديلاً عن نشيد نظام البعث البائد، وهو للمفارقة ذاته النشيد الوطني الفلسطيني الأول "موطني".

اقرأ أيضا:
نهاية المغامرة الأدبية في زمن التسطيح والمُباشَرة

كما أن محاولات اختيار علم جديد لعلم البعث أيضاً جوبهت بمشاكل عديدة، وجرى تعديل علم البعث قليلاً بحذف النجوم وإبقاء عبارة "الله أكبر" في العلم، على أن يتم لاحقاً إقرار علم جديد يحظى بمقبولية أوسع.

مقترح قانون اليوم الوطني الذي وضعته حكومة الكاظمي جوبه أيضاً باعتراضات من أطراف متعددة، حتى قبل ذهابه إلى البرلمان العراقي لإقراره، وربما سيواجه صعوبة في إقراره لاحقاً بسبب حجم التباينات والتقاطعات في وجهات النظر لممثلي المجموعات السياسية المختلفة.

عملياً وعلى مدار العام، وفي كل المناسبات والأعياد المختلفة، أو التواريخ التي لها علاقة بأحداث سابقة من تاريخ العراق، هناك تباين وخلاف يتبدّى في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى منصّات القنوات الفضائية وغيرها. ويتبارى المدوّنون والصحفيون في استعراض حجج تدعم وجهات نظرهم.

لدينا بشكل دوري نقاشات محتدمة حول حدث إسقاط النظام الملكي في العراق في 14 تموز (يوليو) 1958 الذي يعدّه فريق من العراقيين ثورة شعبية تستحق الاحتفاء، وفريق آخر يراه تاريخاً لانهيار الدولة العراقية وبداية سلسلة انقلابات جلبت الويل والثبور على العراق طوال التاريخ اللاحق، وانتهاءً بحقبة الديكتاتورية والحروب، ثم الاحتلال والحروب الطائفية وداعش وما إلى ذلك حتى لحظتنا الحاضرة.

اختلاف وتباين آخر مهم يجري دائماً حول حدث "ثورة العشرين" الذي يُحتفل به رسمياً في مطلع حزيران من كلّ عام. أو حتى ذكرى الاحتلال وسقوط نظام صدام في أبريل/نيسان 2003، وذكرى الحرب العراقية الإيرانية أو ذكرى وقف إطلاق النيران فيها، وغيرها من تواريخ العراق الحديث، حتى يمكن القول إن كل تواريخ العراق الحديث خلافية ولا يحظى أي تاريخ، إلا ما ندر، بالإجماع الوطني.

ويتعقّد الأمر إذا ذهبنا إلى الاحتفالات الدينية، فمن المعروف أن المكوّنين الأكبرين بين مسلمي العراق، السنة والشيعة، لا يتّفقان على تواريخ موحّدة حول الأعياد الإسلامية. وهناك فارق يوم، وفي بعض الأحيان يومين، ما بين السنة والشيعة في هذه الأعياد.

كما ينفرد الشيعة بمناسبات كرنفالية، مثل ذكرى العاشر من شهر محرّم، وهي ذكرى مقتل الحسين، الإمام الثالث عند الشيعة، ثم ذكرى أربعينية مقتله، وهي مناسبات حاشدة تتعطّل فيها تقريباً كل مناحي الحياة، وتسخّر كل الإمكانيات في الدولة لإدامة الشعائر وحمايتها أمنياً.

في ذكرى العاشر من محرم الماضية أثيرت قضية لها دلالة كبيرة في قصّتنا هنا، حيث استمرت قناة "دجلة طرب" وهي قناة فنيّة ملحقة بالقناة الرئيسية الإخبارية "دجلة" المملوكة من إحدى الشخصيات السياسية السنّية، وتبثّ من العاصمة الأردنية عمّان، في منهاجها المعتاد ببثّ الأغاني خلال ليلة عاشوراء. ما اعتبره بعض المتابعين الشيعة تعدياً على قدسية وحرمة اليوم الحزين.

تطوّر الأمر لاحقاً ليعتدي بعض الأفراد المدعومين من قوى سياسية راديكالية على مقرّ القناة في بغداد ويضرموا فيها النيران، من دون أن تتدخل الأجهزة الأمنية الرسمية في ردع المعتدين أو حماية مقرّ القناة وممتلكاتها. وفسّر بعض المراقبين ذلك بأنه نوع من الرضا من الجهاز الرسمي للدولة عن هذا الاعتداء، وأنه عقاب مناسب لما اقترفته قناة دجلة من خطيئة..!

السؤال الأكثر أهمية الذي تردّد بعد هذه الواقعة هو: لماذا يجب اعتبار مناسبة شعبية لدى جزء من الشعب العراقي، حتى وإن كان الجزء الأكبر منه، مناسبة وطنية؟!

هل فرض الحزن على مجتمع متنوّع بطوائفه وأديانه وقومياته وميوله الثقافية والسياسية بمناسبة واقعة كربلاء صار واجباً يمثل هوية الدولة الجديدة؟

والسؤال الذي يتصّل بموضوعة هذا المقال: هل ذكرى واقعة كربلاء هي مناسبة وطنية، أم مناسبة اجتماعية؟ ومع الإقرار بأنه حدث كبير ومؤسس في الوجدان عند الشيعة في العراق وإيران ولبنان وكل الشيعة في العالم تقريباً، ولكن هل يوجد في الأصل إجماع عراقي على طريقة واحدة للتعاطي مع هذا الحدث؟

ثم بالإحالة إلى كل المواقف المذكورة في هذا المقال واتصالها بالأزمة العراقية الكبرى: هل لدينا فعلاً إمكانية لإنشاء سردية خاصة بالدولة العراقية يمكن أن تكون مظلّة جامعة لكل العراقيين، لا تقرض من الخصوصيات الثقافية والدينية للمجموعات السكّانية، ولا تمارس القهر على أية فئة منهم، وتمثّل في الوقت نفسه مساراً لمشترك جامع، يمكن، من دون حساسيات أو مشاكل، تثقيف المجتمع عليه من خلال المناسبات الوطنية والأعياد والتعليم الثقافة والفنون؟

بالعودة إلى الرئيس الفرنسي ماكرون وزيارته الخاطفة التي أثارت بعض البلبلة، فإنها ذكرتني بفرنسي آخر يمكن أن نختم به هذا المقال، هو آرنست رينان الذي هو صاحب أحد مفهومين تنازعا التصورات النظرية حول الأمة في العالم، بحسب الباحث الراحل فالح عبد الجبّار، الأول هو الألماني يوهان فيخته في "خطاب إلى الأمة الألمانية 1807"، والثاني رينان في محاضرته "ما هي الأمة؟ 1882".

ففي حين اعتبر فيخته أن رابطة اللغة أو الدم أو الدين هي الأساسية في بناء الأمة، يرى رينان أن الأمة لا يمكن أن تبنى إلا على وحدة المصالح المشتركة لأعضائها، ونسيان الماضي المحترب.

وبتأويلي الشخصي فإن "نسيان الماضي المحترب" لا يكون بنسيانه فعلياً، فهذا أمر عسير، وستقاتل المجموعات المختلفة المتصارعة على هذا الماضي من أجل التمسك بـ"ذاكرتها" الشخصية عن هذا الماضي.

وإنما النسيان يكون بإعادة التأويل والقراءة، وترسيخ التاريخية في النظر إلى الإنسان المواطن، على خلاف التصورات اللاتاريخية للقصص القومية والدينية والطائفية عن الماضي. وهذا أمر تقوم به النخب عادة وليس الوعي الشعبي العاطفي بالغالب.

إن المجموعات السكانية المختلفة، من صغراها، كما في مثال الوزيرة العراقية التي تنتمي إلى واحد من أصغر مكوّنات العراق اليوم وهم المسيحيون الكلدان، إلى كبراها كما "الشيعة"، يتقاتلون جميعاً من أجل "تذكّر" قصّتهم الشخصية عن وجودهم التاريخي، وأن لا يتم نسيانهم.

ولهذا تنبثق الخلافات على محاولات إنتاج تاريخ وطني رسمي يمكن أن يكون تاريخاً موحّداً للدولة العراقية، لأن الجميع تقريباً يرى في "الوطنية العراقية" محاولة لمحو الوجود الإثني والطائفي الخاص وليس مجرد مظلّة شاملة، تبعاً للقوة التي تحاول فرض "الوطنية العراقية". والجذر العميق في هذه المشكلة، بالعودة إلى رينان، هو غياب الرؤية التي تؤدي إلى "وحدة المصالح المشتركة" لأبناء الوطن الواحد بغض النظر عن خلفياتهم، وبغض النظر عن تقاطعهم واختلافهم بعضهم الطبيعي كمكوّنات عن البعض الآخر.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي