مسلسل غاندو الإيراني يثير جدلاً بين الأوساط الرسمية في إيران (Others)

وكما حدث أثناء عرض الموسم الأوّل قبل حوالي عامين، قوبل المسلسل الذي أعدته مؤسسة الشهيد آويني للإنتاج المقربة من الحرس الثوري بحفاوة بالغة من أنصار التيار المحافظ الذين مجّدوا استخبارات الحرس الثوري والقائمين على المسلسل مطالبين بالاستمرار في عرضه وفضح أداء الحكومة الهزيل والفساد.

ووجّه ممثل المرشد في فيلق القدس رسالة شكر لرئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون على بثّ العمل، كما أصدر 160 نائباً في مجلس الشورى بياناً أعربوا فيه عن دعمهم وتقديرهم للقائمين على المسلسل والعاملين فيه. ووُجّهت اتهاماتٌ للحكومة بممارسة الضغوط لإيقاف عرض المسلسل قبيل الانتخابات المزمعة ومفاوضات فيينا.

على الطرف الآخر، تعرّض المسلسل لانتقادات شديدة من الحكومة وأنصار التيار الإصلاحي وعلى رأسهم الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف، حيث اتهموا القائمين على العمل بالسعي إلى تشويه صورة الحكومة وتقزيم منجزاتها وعرقلة محاولاتها التوصل إلى اتفاق مع الغرب لرفع العقوبات وادّعوا أنّ الجهات التي تقف وراء العمل تتكسّب من العقوبات.

وزعم الوزير ظريف أنّ العمل يسيء للسياسة الخارجية للبلاد أكثر من الإساءة له شخصياً. كما رأى العديد من القياديين في التيار الإصلاحي أنّه يعزز الانقسامات ويخلق اصطفافات بين فئات الشعب ويتعارض مع توجيهات المرشد.

المضمون والرسائل

يحاول العمل بموسمَيه استعراض قدرات جهاز استخبارات الحرس الثوري، فالجهاز لديه قاعدة بيانات مفصّلة لجميع المواطنين وبإمكانه رصد تحركاتهم من خلال كاميرات المراقبة المنتشرة في أرجاء البلاد ومواقع التواصل الاجتماعي، كما يمتلك القدرة على كشف الجواسيس والمؤامرات التي تُحاك ضد إيران مِن أعدائها لا سيما الولايات المتحدة وبريطانيا، كما يستطيع زرع عملاء له داخل أجهزة الاستخبارات الغربية، فضلا عن قدرته على جلب معارضيه من خارج البلاد.

تدور أحداث المسلسل حول فريق شاب من هذا الجهاز مختص بمكافحة التجسس، ويعرض روايتهم حول اختراق المخابرات الأجنبية لأجهزة الحكومة لا سيما وزارة الخارجية وفريق التفاوض في الملف النووي عبر زرع عملاء مزدوجي الجنسية بهدف جمع معلومات سرية والتأثير على الفريق المفاوض لتقديم تنازلات أثناء المفاوضات.

كما يسعى هؤلاء العملاء إلى زعزعة الاقتصاد والأمن في البلاد وتجنيد عملاء داخل إيران عبر غطاء الصحافة والفن وحماية البيئة ومنظمات المجتمع المدني، في تماهٍ تام مع مبررات السلطات لاعتقال بعض هؤلاء ما بين الفينة والأخرى.

وبعد تركيز الجزء الأول من المسلسل على تصدي المخابرات الإيرانية للاستخبارات الأمريكية، خُصّص الجزء الثاني لمواجهة الاستخبارات البريطانية والحيلولة دون تنفيذ مخططاتها ومؤامراتها ضد إيران. يظهر وزير الخارجية في العمل ساذجاً مهزوز الشخصية ضعيف الإرادة، يُحيط به بعض الجواسيس التابعون للاستخبارات الأمريكية والبريطانية ممن يعمل معه بصفة مستشار.

ويعرض المسلسل العلاقة الوطيدة بين بعض هؤلاء الجواسيس ومسؤولي الحكومة بمن فيهم الرئيس روحاني ومحاولة المسؤولين ولا سيما وزارة الخارجية الحيلولة دون اعتقالهم وجهودهم الحثيثة لإطلاق سراحهم رغم معرفتهم بجرمهم. ويبيّن أنّ الحكومة حُذّرت من بعض هؤلاء، لكن التحذيرات لم تجد آذاناً صاغية. كما يصوّر المسلسل عبثية التفاوض مع الغرب ويسخر مِن مزاعم الرئيس روحاني ووزير خارجيته حول الاتفاق النووي وقدرته على إنقاذ البلاد من أزماتها وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

يقدّم المسلسل صورة مثالية للحرس الثوري طالما تحدّث المرشد عنها، في أفراده من الشباب المتديّن المخلص المؤمن بقدرات البلاد، المحارب للفساد والرافض للهيمنة الغربية والذكي القادر على التعامل مع التكنولوجيا، في حين يصوّر المسؤولين الحكوميين كشخصيات انهزامية ضعيفة لا تتمتع بالثقة بالنفس ولا تؤمن بقدرات البلاد، ولديها ميول للتعامل مع الغرب ومخترقة من الاستخبارات الغربية.

من الواضح أنّ القائمين على المسلسل يسعون إلى إرسال رسائل متعددة من خلاله، أوّلها أنّ الحرس الثوري يتمتع بقدرات هائلة وأنه الأكثر حرصاً على مصلحة البلاد والأجدر بقيادتها، وثانيها أنّ التيار الإصلاحي والمعتدل لا يتمتع بالمسؤولية والكفاءة اللازمة لإدارة البلاد وأنه عرضة للاختراق عبر الجواسيس، والثالثة وربما هي الأهم، إثارة الرّعب لدى المواطنين الرافضين لسياسات النظام بأنّ حركاتهم وسكناتهم تحت المراقبة لا سيما بعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنتين الأخيرتين.

كفاءة الاستخبارات الإيرانية

خلافاً للصورة التي قدّمها المسلسل، أظهرت الأحداث مؤخراً وجود ثغرات أمنية هائلة واختراقات واسعة لأجهزة الاستخبارات الإيرانية لن ينجح عمل تلفزيوني، مهما كان ناجحاً، بالتغطية عليها.

لقد فشلت هذه الأجهزة بصيانة الملف النووي، أكثر القطاعات السرية حساسية لدى النظام وعجزت عن حمايته من اختراق أجهزة الاستخبارات الأجنبية. أحدث الأمثلة على هذا الفشل تجلّى يوم الأحد الماضي حين تمكّنت الاستخبارات الإسرائيلية عبر عملائها العاملين في منشأة نطنز النووية من إلحاق أضرار كبيرة بهذه المنشأة الحساسة للمرة الثانية خلال عشرة شهور وبعد يوم واحد من تدشين أجهزة متطورة تعمل على تخصيب اليورانيوم بسرعة أكبر.

لم يكن هذا الاختراق الأول من نوعه، فقد سبقه نجاح إسرائيل عبر عملية سرية في يناير 2018 بتهريب حوالي نصف طن من الوثائق والملفات الرقمية المتعلقة بالبرنامج النووي إلى خارج إيران دون ترك أي أثر. كما تجلى من خلال نجاح الموساد باغتيال أبرز المسؤولين عن الملف النووي في إيران وعلى رأسهم محسن فخري زادة، يُعتقد أنه العقل المدبر لبرنامجٍ سريٍّ لصناعة قنبلة نووية والذي اغتيل في ديسمبر/كانون الأول الماضي قرب العاصمة طهران وفي وضح النهار، وعجزت الأجهزة الأمنية حتى الآن عن كشف المتسببين بالحادثة. سبقه في العام 2011 اغتيال حسن طهراني مقدم عرّاب البرنامج الصاروخي.

ضعف هذه الأجهزة ليس محصوراً في الملف النووي، فقد برز من خلال عجزها عن حماية قاسم سليماني ثاني أهم شخصية في البلاد، وفشلها في منع الاستهدافات الإسرائيلية المتكررة لمواقع فيلق القدس وميليشياته في سوريا. كما تجلى من خلال عجزها عن حماية السفينة "ساويز" التابعة للحرس الثوري والمخصصة لأغراض التجسس قرب سواحل جيبوتي من ضربة إسرائيلية في الأسبوع الماضي.

صراع السلطة والنفوذ

تشهد الساحة السياسية الإيرانية صراعاً على مختلف المستويات. في السابق كانت الدراما الإيرانية تصوّر معارضي النظام في الخارج بصورة الخائن التابع للغرب والمرتبط بأجهزة الاستخبارات الأجنبية، لكنّها انتقلت مؤخراً إلى استعراض عضلات الدولة العميقة في وجه الحكومة "المعتدلة" وكَيل اتهامات مشابهة لها. وكشفت الأيام الأخيرة أنّ هذا الصراع ليس محصوراً في التيارين المحافظ والإصلاحي، بل إنّ الحرس الثوري نفسه يعاني التصدّع والانقسام في صراعه للسيطرة على السلطة التنفيذية. يعبر "غاندو" الذي يعني التمساح الماكر في الفارسية عن تباين عميق بين التيارات الحاكمة في البلاد، لكنّ هدف هذه التيارات بلا شك ليس إحداث تغيير في بنية النظام، بل تنحية الخصوم والتفرد بالسلطة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي