كان الرئيس بوتفليقة قد وجه رسالة إلى المتظاهرين من منفاه المرضي بجنيف، يُحذر فيها من أعداء الخارج و"المندسين" في الداخل، وهي تأكيدٌ لتحذيرات الجنرال أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش الجزائري الذي استعمل هو الآخر "فزّاعة" المؤامرة الخارجية مرتين.

في خُطوة مفاجئة أُعلن في الجزائر، مساء الإثنين 11مارس/آذار 2019، عن سبعة قرارات نُسبت إلى الرئيس بوتفليقة، كان أبرزها عدم ترشحه للعهدة الخامسة وتأجيل إجراء الانتخابات إلى ما بعد إجراء حوار وطني وتعديل الدستور؛ كما أُعلن عن تعيين السيد نورالدين بدوي، وزيرُ الداخلية الحالي، وزيراً أوّل بدلاً عن السيد أحمد أويحيى "المستقيل".

ولئن كانت هذه التّغييرات تحمل في ظاهرها استجابة لمطالب المظاهرات السّلمية التي عمّت أرجاء الجزائر منذ 22 فبراير/شباط الماضي، فإنها في العمق اِلتِفافٌ على تلك المطالب وإبقاءٌ لدار لُقمان على حالها؛ ذلك بأنّ الرئيس المنتهية ولايته كان قد طالب بانتخابه لعهدة خامسة مع وعدٍ منه بإجراء انتخابات مُبكرة في غضون سنة؛ وعملياً هذا ما سيقع، مع فارق جَوْهري يتمثّل في خرق الدستور الجزائري الذي لا يسمح له بإلغاء الانتخابات ولا حتى بالتمديد.

وقبل هذا المنعطف كان الرئيس بوتفليقة قد وجه رسالة إلى المتظاهرين من منفاه المرضي بجنيف، يُحذر فيها من أعداء الخارج و"المندسين" في الداخل، وهي تأكيدٌ لتحذيرات الجنرال أحمد قايد صالح، قائد أركان الجيش الجزائري ذو الثمانين حولاً، الذي استعمل هو الآخر "فزّاعة" المؤامرة الخارجية مرّتين في أقل من أسبوع.

الأنظمة الدكتاتورية غالباً ما تلجأ للتخويف من المؤامرة الخارجية كواحد من الأساليب الكلاسيكية الأكثر شيوعاً للالتفاف على المطالب المشروعة للشعوب في الحرية والديمقراطية.

أحمد نوردين

كان ذلك عشية تنظيم مظاهرات "جمعة الكرامة"، التي صادفت العيد الأممي للمرأة، وهي ثالث جمعة على التوالي يخرج فيها الشعب الجزائري للشارع بعد تخطيه للحاجز النفسي للعشرية السوداء!

وهذا الأمر ليس جديداً على الأنظمة الدكتاتورية التي غالباً ما تلجأ للتخويف من المؤامرة الخارجية، كواحد من الأساليب الكلاسيكية الأكثر شيوعاً، للالتفاف على المطالب المشروعة للشعوب في الحرية، والديمقراطية، والكرامة، والعدالة، والتوزيع العادل للثروة؛ فالتخويف من العدو الخارجي، والتعبئة الإيديولوجية ضده، هما أقرب الطرق إلى ترويض الشعب وإخراس الأصوات المعارضة، وتأجيل الإصلاحات إلى أجل عير مُسمّى.

ولتفكيك شفرة رسائل الرئيس وقائد الجيش، لابد أن نتفق أولاً بأنّ الهدف الرئيس لأية مؤامرة أجنبية، إن وُجدت، هو تخريب اقتصاد البلد المعنِي وتبديد أمواله، وإضعاف مؤسساته لضرب استقراره، واغتيال قياداته الوطنية وتهميش كفاءاته، حتى يصبح مُستباحاً في سيادته ومُتحكَّماً في ثرواته. فهل هناك فعلاً مثل هذا المخططٌ التخريبي؟ ومن هي الجهة التي تقف وراءه؟

على الجبهة الاقتصادية، تُجمِع المعارضة الجزائرية بكل أطيافها على أن ألف مليار دولار أمريكي من عائدات النفط والغاز تبخّرت خلال عشر سنوات فقط ما بين 2004 و 2014 من حكم بوتفليقة، بدون أن يُعثر لها على أثر؛ وقد طالبت فرق المعارضة في البرلمان التحقيق في هذه الاختلاسات بدون أن تجد صدى لصيحتها.

ولمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تسبب فيها تراجع أسعار النفط، لجأت الحكومة الجزائرية في موازناتها للفترة 2017-2019 إلى طباعة أوراق نقدية بقيمة 6500 مليار دينار جزائري؛ أي ما يقرب من 65 مليار دولار، بدون مقابل حقيقي في الإنتاج، ما أدّى إلى انهيار قيمة العملة الجزائرية، وبالتالي تفاقمَ التضخم، وتدهورت القدرة الشرائية للمواطنين.

وموازاةً مع ذلك تفجّرت في العشرين سنة من حُكم بوتفليقة فضائح مالية بملايير الدولارات؛ ومنها على سبيل المثال فضيحة عملاق المحروقات "سونطراك" ارتباطاً بالوزير شكيب خليل الذي فرّ من "العدالة" الجزائرية إلى الولايات المتحدة قبل أن يصدر في حقه عفو رئاسي، ثمّ فضيحة الطرق السيارة التي ارتبطت باسم الوزير عمّار غول، وفضيحة شركة الطيران "خليفة" و"الخليفة بنك"، بالإضافة إلى فضيحة قائد الجيش السابق الجنرال العمّاري، الذي قُدّرت ثروته بحوالي 25 مليار دولار كعقارات بفرنسا، حسبما كشف عنه تقرير لإذاعة فرنسا الدولية.

ويمكن الرجوع إلى كتاب "باريس-الجزائر: حكاية مُشوّقة" الذي صدر سنة 2015 لمؤلّفَيْه Christophe DuboisوMarie Christine Tabet للوقوف على تفاصيل الفضائح المالية للمسؤولين الجزائريين.

تُجمِع المعارضة الجزائرية بكل أطيافها على أن ألف مليار دولار أمريكي من عائدات النفط والغاز تبخّرت خلال عشر سنوات فقط ما بين 2004 و 2014 من حكم بوتفليقة.

أحمد نوردين

وإذا تحدّثنا عن إضعاف المؤسسات الجزائرية؛ فأفضل مثال هو التلاعب بالدستور سنة 2008 لإلغاء المادة 74 التي كانت تُحدد الفترة الرئاسية في عُهدتين، والمثال الثاني هو ترشيح رجل لا يقوى على الحركة والكلام لرئاسة الدولة سنة 2019، ولا يجادل اثنان في الانعكاسات الخطيرة لذلك على تجميد هذه المؤسسة الحيوية، وسقوطها رهينةَ يدٍ خفية تُحركها من وراء السّتار، ولم تَسلم مؤسسة البرلمان هي الأخرى من هذا التلاعب؛ حيث أقيل رئيسها سعيد بوحجة شهر أكتوبر/تشرين أول 2018، رغم أن الدستور في مادته 131 ينصّ بصراحة أنّ انتخاب رئيس البرلمان يكون لولاية كاملة، وليس هناك مجال لإقالته، وتندرج هذه الإقالة في الصراع الذي أخذ أبعاداً غير مسبوقة داخل الحزب الحاكم، فقد شهد منذ 2003 إقالة أمينه العام علي بن فليس، بعد شهرين من انتخابه، ثم إقالة خلفه عبد العزيز بلخادم من جميع مهامه الحزبية والوزارية سنة 2014 بقرار رئاسي وليس حزبي، ونفس المصير كان ينتظر خَلَفه عمّار سعْداني سنة 2016؛ وما لبثت وكالة الأنباء الجزائرية أن نشرت سنة 2018 "استقالة" الأمين العام الحالي للجبهة جمال ولد عباس، قبل أن تتراجع عن ذلك.

إنها حربٌ ضروس في كلّ أركان الدولة لم تسلم منها حتى مؤسّسة الجيش، ففي سابقة من نوعها أُقيل 12 جنرالاً دُفعة واحدة سنة 2018، منهم قادة مناطق عسكرية وقائد الدرك، ارتباطاً بتصفيات داخلية كان من أبرز مؤشراتها محاكمة خمسة جنرالات صدرت بحقّ ثلاثةٍ منهم أحكامٌ نافذة بالسجن، ولا ننسى إقالة الجنرال توفيق قائد المخابرات العسكرية السابق وما تلا ذلك من تقسيم لهذا الجهاز وتوزيع تركته بين قيادة الأركان وقصر المُرادية.

وحتى المؤسسة الأمنية لم تكن في منأى عن سُوسة التّناحر التي تنخر الدولة، فقد تمت إقالة الجنرال عبد الغني الهامل المدير العام للأمن الجزائري في يونيو 2018 على خلفية فضيحة تهريب 750 كيلو غراماً من الكوكايين عبر ميناء وهران، وبعد بضعة أشهر تمّت إقالة خلفه العقيد مصطفى لهبيري في فبراير 2019 لأسباب "مجهولة"، وقبل ذلك تم اغتيال الكولونيل علي تونسي المدير العام الأسبق للأمن الجزائري في مكتبه على يد أقرب مساعديه، يُعتقد أنها على خلفية فساد شابَ صفقة بحوالي 25 مليار دولار لتحديث جهاز الشرطة.

ويضاف إلى ذلك الحكم على الجنرال آيت واعرابي بالسجن خمس سنوات نافذة سنة 2015 في تهم لها علاقة بالتواطؤ مع الإرهاب خلال العشرية السوداء، وهو الذي كان يقود جهاز مكافحة الإرهاب!

ولا يتّسع المجال لحصر كلّ التصفيات الجسدية والاغتيالات السياسية الكثيرة التي طالت الزعامات السياسية ورجال الدولة، ومن هؤلاء رئيس المخابرات الأسبق الكولونيل قاصدي مرباح، والذي شغل منصب الوزير الأول أيضاً. ويمكن الرجوع إلى كتاب "جزائر الجنرالات" لمؤلفه إلياس العريبي للوقوف على صراع الأجنحة وحجم التخريب والفساد الذي لا علاقة له بالعدو الخارجي الذي تحدث عنه بوتفليقة والجنرال قايد صالح في رسائلهما للمتظاهرين في الجزائر.

وأخيراً لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المؤامرة بدأت مع الانقلاب، الذي نفذه سنة 1962 "جيش الحدود" بقيادة الكولونيل هواري بومدين، على القيادة السياسية للثورة الجزائرية. ولنتذكر كيف تمّ اغتيال جُلّ القادة التاريخيين للثورة؛ وعلى رأسهم عبّان رمضان، ومحمد خيضر أول رئيس لجبهة التحرير، ثم الرئيس محمد بوضياف بعد عودته من منفاه بالمغرب سنة 1992، أما الرئيس بن بلة فقد حُكم عليه بالإقامة الجبرية بعد انقلاب 1965، بينما قضى الحسين آيت أحمد حياته في المنفى بسويسرا.

ولم يسلم من الإقامة الجبرية بعد "الاستقلال" حتى البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء التي كانت وراء نشأة حركة التحرير الجزائرية، أما شاعر الثورة وكاتب النشيد الوطني الجزائري، مُفدي زكريا، فلم يُنقذه من القتل إلا فراره إلى المغرب.

ويعتبر كتاب "الاستقلال المُصادَر" الذي ألفه فرحات عباس، وهو أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة، مرجعاً للوقوف على مزيد من التفاصيل حول هذا الانقلاب.

أما العشرية السوداء فتلك حكاية أخرى لانقلاب جنرالات الجزائر على إرادة الشعب، وإلغاء نتائج الانتخابات بعد نشرها في الجريدة الرسمية، وما ترتب عنها من قتل لقرابة ربع مليون جزائري، وحوالي 18 ألف مختطف مجهول المصير.

فمن يا ترى تآمر على الجزائر في كل هذه المحطات؟ إنه فعلاً عدوّ للشعب الجزائري، ولكنه قطعاً ليس من خارج الجزائر.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي