الملك محمد السادس والرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة (AFP)

ليست هي أول مرة يمد فيها الملك محمد السادس يده بالصلح لنظيره الجزائري، فمنذ سنة 2018 والعاهل المغربي يبعث عبر خطابه الرسائل تلو الرسائل نحو قادة الجزائر، مفادها أن الوقت قد حان لحلحلة الوضع الراكد لعلاقات طال أمد خلافها وحدود تقطع منذ 1994 أرحام وأرزاق الساكنين على جنباتها، فيما الشعوب الشقيقة تأمل فتحاً قريباً.

وبالتالي، ليست مفاجأة أن يقع اختيار الملك المغربي على تجديد دعوة الجزائر لحل الوضع الراهن من العلاقات كموضوع لخطاب عرشه هذه السنة. بل المفاجأة أن يأتي متزامناً مع إحدى أقصى مراحل ارتفاع التوتر بين البلدين، والتي بدأت منذ تحرك المغرب لتحرير معبر الكركرات (جنوب البلاد) الذي كانت تقطعه عنوة عناصر من البوليساريو.

فيما توالى التصعيد وصولاً إلى ما روج له سفير المغرب بالأمم المتحدة حول تقرير مصير منطقة القبائل، الأمر الذي أجَّج مجدداً غضب الجزائر دافعاً العلاقات نحو منزلق آخر من الخلاف المتجدد. ما يدغع إلى التساؤل وخطاب الملك يدعو إلى المصالحة، حول ما مدى قدرة مبادرته في رأب الصدع بين البلدين؟

دعوات محمد السادس لفتح الحدود

"إننا نجدد الدعوة الصادقة لأشقائنا في الجزائر، للعمل سوياً، دون شروط، من أجل بناء علاقات ثنائية، أساسها الثقة والحوار وحسن الجوار" بهذه الكلمات افتتح العاهل المغربي، الملك محمد السادس، كلماته الموجهة شرقاً نحو قيادات جارته الجزائر، خلال الخطاب الذي ألقاه بمناسبة ذكرى تربعه على العرش .

مجدداً دعوة تلك القيادات إلى وضع حد للتوتر بين البلدين وإعادة فتح الحدود المغلقة بينهما منذ صيف 1994. واعتبر الملك أن "الوضع الحالي لهذه العلاقات لا يرضينا، وليس في مصلحة شعبينا وغير مقبول بالنسبة إلى العديد من الدول".

في ما يخص الحدود، شدد العاهل المغربي على أن " الحدود المفتوحة هي الوضع الطبيعي بين بلدين جارين، وشعبين شقيقين"، وأن إغلاقها "يتنافى مع حق طبيعي ومبدأ قانوني أصیل". وأردف قائلًا: "أدعو فخامة الرئيس الجزائري (عبد المجيد تبون) للعمل معاً في أقرب وقت يراه مناسباً، على تطوير العلاقات الأخوية التي بناها شعبانا عبر سنوات من الكفاح المشترك"، لأنه "لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولون على قرار الإغلاق".

معتبراً أن "الأسباب التي كانت وراء إغلاق الحدود أصبحت متجاوزة، ولم يعد لها اليوم أي مبرر مقبول". هاجم الملك دعاة القطيعة بين البلدين مؤكداً للقيادة الجزائرية بأن "الشر والمشاكل لن تأتيكم أبداً من المغرب، كما لن یأتیکم منه أي خطر أو تهديد"، لأن "ما يمسكم يمسنا، وما يصيبكم يضرنا. لذلك، نعتبر أن أمن الجزائر واستقرارها، وطمأنينة شعبها، من أمن المغرب واستقراره".

وليست هي المرة الأولى التي يخاطب فيها ملك المغرب نظراءه في الجزائر بخطاب مد اليد إلى المصالحة وتخطي الخلافات العالقة بين البلدين، فقد سبق له في أكثر من مرة أن جدد هذه الدعوة، أبرزها ما تضمنه خطاب ذكرى المسيرة الخضراء قبل أربع سنوات، حين دعا إلى "إحداث آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور (...)، بهدف تجاوز حالة الجمود التي تعرفها العلاقات بين البلدين الجارين الشقيقين".

قراءة من الجانبين..

في قراءة لما ورد في خطاب الملك محمد السادس، يقول الصحافي المغربي عبد الحق صبري في حديثه لـTRT عربي بأن الملك خاطب الجزائر بمنطق السرعة التي يسير بها العالم حيث "لم يتبقَ لنا الكثير من الزمن لنهدره، وهذا الإغلاق المستمر هو الشر بعينه، وجريمة ارتكبت في حق الشعبين" . فيما المغرب "في العديد من المناسبات، أبدى نيته واستعداده لطي هذا الخلاف القائم منذ تاريخ إغلاق الحدود صيف 1994 وإلى يومنا هذا" يضيف الصحفي المغربي.

من جانبه كذلك اعتبر الفاعل الجمعوي المغربي من أصول جزائرية إدريس هادف بأن "وضع المغرب دولياً في حاجة إلى إعادة الثقة في شمال إفريقيا ككل، لأن العلاقات مع أوروبا تعرف تغيرات استراتيجية، و تغيير اللهجة من لدن المغرب يستوجب انخراطاً فعالاً من الجيران". مضيفاً بأن: " اللهجة المستعملة (من طرف المغرب) لم تتغير كثيراً منذ 2008 و لكن هناك تحمل جماعي للمسؤولية، و لغة مباشرة لا تترك لمتتبعي الديكور السياسي في المغرب الكبير المجال إلا للإيجابية" .

والمقصود هنا وسائل الإعلام ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، الذين يخوضون في مناكفات تبلغ في مرات عديدة حد التراشق بخطابات عنصرية بين الجزائريين والمغاربة، مؤججين التوتر الحاصل. يقول الهادف في تصريحه لـTRT عربي: إن "يد المغرب ممدودة وملك البلاد شخصياً يرد على جميع المناورات الإعلامية وردود الأفعال على وسائل التواصل الاجتماعي كمتتبع لما آلت إليه الأمور استطاع أن يعيد توجيه الحوار وغرس ما أمكن من الود داخله".

ودية الخطاب هي التي أجمع عليها الطرف الجزائري كذلك، حيث صرَّح الحقوقي الجزائري وأمين عام تحالف الإعلاميين والحقوقيين الأفارقة، السيد بكي بن عامر لـTRT عربي بأن خطاب العرش حمل دعوة "صريحة ومباشرة" لفتح الحدود كما هي، "ليست المرة الأولى التي يدعو فيها العاهل المغربي نظيره الجزائري" إلى ذلك. لكنه يأتي في هذه الفترة بهدف أساسي، يوضح المتحدث، "هو تهدئة التوتر الكبير الذي تعرفه العلاقات الجزائرية المغربية" الذي بلغ ذروته بعد الوثيقة التي وزعها سفير المملكة لدى الأمم المتحدة "مطالباً بحق تقرير مصير القبائل في الجزائر، والتي وصفتها بأطول احتلال أجنبي".

ويضيف بكي الذي قاد في ما سبق مبادرة شعبية جزائرية من أجل فتح الحدود مع المغرب: "أعتقد أنه بإمكان قادة البلدين حلحلة الأوضاع الراكدة لو استمعوا إلى حناجر الشعوب واستوعبوا دروس التاريخ وتوقفوا عن الكبرياء الزائف". فيما حلحلة الأزمة "تتطلب نيات صادقة منسجمة مع صدق الشعوب التي تعفيها من إلقاء اللوم والاتهام على جهة واحدة" يقول المتحدث. مؤكداً أن "الأوساط السياسية والإعلامية اعتبرت خطاب العرش رسالة طمأنينة وتهدئة، وليس من مصلحة البلدين مواصلة التصعيد".

من جانبه مولود صياد، الصحفي الجزائري، يقول: "علينا أن نفكر في الأمر من ناحية براغماتية، أنه لو تم فتح الحدود فستكون هناك اتفاقيات اقتصادية لن تصب إلا في خير البلدين خصوصاً والتكامل الاقتصادي التام بينهما، كذلك أمنياً سيكون هناك تنسيق لتأمين الحدود من الأنشطة الإجرامية والاتجار بالبشر". أمر يتفق معه من المغرب إدريس هادف، ويضيف خاصة أن المرحلة "تستوجب انخراطاً فعالاً من البلدين الجارين لتفعيل خريطة الإقلاع الاقتصادي ما بعد كورونا التي يعمل عليها المغرب جدياً".

حلحلة الوضعية الراكدة؟

بالمقابل يتحسَّر الحقوقي الجزائري بكي بن عامر على ما وصلت إليه العلاقات المغربية الجزائرية من "من تدهور وابتذال انعكس على الشقيقين وعلى شعوب المنطقة، وبدّدً مشاريع التكامل الاقتصادي وقطع الأرحام، وتفاقمت الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والمخدرات والإتجار بالبشر والإرهاب وغيرها من الأسباب المهددة لأمن واستقرار المنطقة".

هكذا يلقي بكي الكرة في ملعب نخب البلدين بأن "تلعب دورها في حلحلة الأزمة بالحوار الهادئ"، كما "أن يلتزم إعلام البلدين بميثاق الشرف ويتوقف عن ممارسة خطاب يُوصف بالحقد والكراهية"، وأن تكون القوى السياسية "في خدمة قضايا الشعوب وآمالها. أعتقد أن صوت الحكمة سينتصر". هذا إضافة إلى دور المبادارات الشعبية في "النأي بأحلام الشعوب عن المصالح الخبيثة واللوبيات والأجندات، وهي التي تبقى مطالبها في فتح الحدود استجابة لقيم الأخوة والجيرة واللسان والدين والتاريخ والمستقبل" يختم المتحدث.

فيما يفضل الصحافي مولود صياد بأن لا يجازف في الأمل كثيراً برجع صدى إيجابي للخطاب من العاصمة الجزائر، موضحاً عبر حديثه لـTRT عربي بأنه "لا تزال مجموعة من القضايا العالقة بين البلدين، على رأسها أن المغرب لم يقدم أي توضيح إلى الآن بخصوص خطاب ممثله الدائم بالأمم المتحدة حول حق تقرير مصير منطقة القبائل". إضافة إلى أن "الرئيس عبد المجيد تبون اشترط من أجل المصالحة مع المغرب اعتذار الرباط عن اتهام الجزائر بالضلوع وراء تفجيرات مراكش 1994".

وبالتالي "أستبعد أن يلقى خطاب الملك محمد السادس رداً من الجزائر لهذه الاعتبارات الآنف ذكرها" يختم الصحافي الجزائر حديثه. فيما تبقى الحدود البرية بين المغرب والجزائر على ما هي عليه منذ إغلاقها سنة 1994، حارمة عدداً من العائلات المغربية والجزائرية التي انقسمت على جنباتها، راسمة معالم وضع إنساني محزن بين إخوة جمعت بينهم اللغة والدين والتاريخ المشترك، وفرقتهم أسلاك شائكة وإرادة سياسة تأبى التنازل عن تعنتها.

TRT عربي
الأكثر تداولاً