السعودية تفرض معين عبد الملك على رأس الحكومة الجديدة من أجل ضمان تنفيذ اتفاق الرياض الجديد (Reuters)

فمنذ أن صرحت الإدارة الأمريكية الجديدة بنيتها المساهمة في إنهاء الحرب في اليمن، والتصعيدات العسكرية التي يتبناها الحوثيين ضد الجيش اليمني على أشدها، تحديداً في محيط مدينة مأرب التي تعتبر المعقل الأهم للحكومة اليمنية الشرعية.

يأتي تصعيد الحوثيين في إطار محاولة التوسع العسكري على الأرض على حساب الحكومة اليمنية، وذلك استعداداً للدخول في أي تسوية سياسية قادمة، تضم جميع أطراف الصراع في اليمن. فينوي الحوثيون تعزيز وجودهم في المفاوضات القادمة من خلال تمثيلهم أكبر مساحة جغرافية ممكنة داخل اليمن. بالإضافة إلى الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية التي ستكتسبها الجماعة بحال استطاعت الاستيلاء على مدينة مثل مأرب لأهميتها الاقتصادية إذ تحتوي على أكبر آبار النفط اليمنية.

وهو الأمر الذي تنبهت له الحكومة اليمنية والجيش الوطني مؤخراً، فاستأنفت الحكومة القتال بعدة جبهات ضد الحوثيين، تحديداً في مدينتَي تعز وحجة، لتشتيت قوات الحوثيين وإضعاف اندفاعهم نحو مدينة مأرب. فقد تقدم الجيش اليمني بهذه الجبهات واستولى على العديد من المواقع التي كانت تخضع لإدارة الحوثيين، وضمها إلى الجغرافيا التي تخضع لسلطة الدولة اليمنية.

ولكن ما لبث الأمر حتى ظهر المجلس الانتقالي بموقف ليس بالجديد عليه ولكنه الأكثر وضوحاً من سابقيه. فقد صرح رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً عيدروس الزبيدي بأنه على استعداد للتفاوض مع الحوثيين بخصوص الانفصال في حال سقطت مدينة مأرب بيد الحوثيين. معتبراً بذلك أن الحوثيين بعد إسقاطهم مدينة مأرب سيكونون المتحكمين بالقرار شمال اليمن، بينما يسيطر المجلس الانتقالي على الجنوب وهو الأمر الذي قد يسهل عملية التفاوض من أجل تقرير المصير في الجنوب.

القوات السعودية خلال تواجدها في مدينة مأرب اليمنية (Reuters)

كشف هذا التصريح حقيقة موقف المجلس الانتقالي من الأزمة اليمنية ومن مشروع الحوثيين تحديداً، فبدا موقف الانتقالي المتناقض وغير المفهوم تجاه الأزمة طوال الفترة الماضية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فعلى ما يبدو كانت تصريحات الزبيدي الأخيرة بمثابة رسائل تمهيدية لإعلان المجلس المدعوم إماراتياً تبني سياسة تحالفات جديدة داخل اليمن. كالتقارب أو التحالف مع جماعة الحوثيين المدعومة من قبل النظام الإيراني والتخلي عن الشراكة مع الحكومة اليمنية.

وعلى ما يبدو فإن ما يجمع المجلس وجماعة الحوثي أكثر مما يفرقهم، فكلا الطرفين يعتبر أداة وظيفية هدفها خدمة مشاريع سياسية خارجية. فمشروع الانفصال الذي يتبناه المجلس الانتقالي حالياً وتتبنى الإمارات دعمه مادياً ومعنوياً، كان قبل ذلك مدعوماً من قبل النظام الإيراني. إذ كان يتلقى بعض القياديين وبعض الأفراد المجندين لدى الحركة الانفصالية ومن ضمنهم الرئيس الحالي للمجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي التدريب العسكري المنظم في مناطق جنوب لبنان على يد الخبراء من حزب الله وبإشراف إيراني.

وفي هذا السياق كان رئيس الجمهورية اليمنية عبد ربه منصور هادي حذر بوقت مبكر من تكرار سيناريو صنعاء في الجنوب. وأكد خلال تصريحه أن الراعي للانقلاب بصنعاء هو نفسه من يحاول تنفيذ نفس السيناريو في عدن، في إشارة إلى إيران. وأضاف أن لدى إيران في اليمن مشروعين يُموَّلان، الأول في الشمال بمدينة صعدة "الحوثيون" والثاني في الجنوب "الانفصاليون"، وأكد بدوره الدعم الذي يوفره حزب الله اللبناني وقائده حسن نصر الله لكلا المشروعين.

بالإضافة إلى أن من أهم القواسم المشتركة لدى الطرفين إجماعهما على العداوة والاستهداف للحكومة اليمنية والجيش اليمني، ففي حين ترى جماعة الحوثي أنها البديل المناسب لخلافة الحكومة اليمنية في الشمال وتسعى بكل إمكانياتها لإبعاد قوات الجيش اليمني من مناطق سيطرتهم والتوسع أكثر على حساب مناطق تديرها الشرعية، يسعى المجلس الانتقالي لتقويض وجود الحكومة اليمنية وقوات الجيش اليمني في الجنوب للتفرد بإدارة المناطق الجنوبية تمهيداً لإعلان فك ارتباط الجنوب عن الشمال وإعلان دولة جديدة مستقلة جنوب اليمن.

بالإضافة إلى توافق الطرفين على استهداف حزب التجمع اليمني الذي يعتبره الطرفان جناحاً تابعاً لجماعة الإخوان المسلمين. فوجود هذا الحزب بالنسبة إلى مشروع المجلس والحركة يعتبر خطراً استراتيجياً وجودياً لهما. والأهم من ذلك كله انخراط الطرفين باستراتيجية استنزاف السعودية التي تسعى لتنفيذها حكومة إيران والإمارات.

وقد تجلى ذلك مؤخراً من خلال إرسال المجلس الانتقالي في 16 مارس/آذار الجاري المئات من اتباعه لاقتحام "قصر المعاشيق" في عدن الذي تسكنه الحكومة اليمنية بمن فيها رئيس الحكومة الحالي معين عبد الملك. ويعتبر هذا التصعيد من قبل المجلس بخاصة بهذا التوقيت بمثابة انقلاب على"اتفاق الرياض"الذي رعته المملكة العربية السعودية والإمارات لحل الخلاف بين المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية.

ويأتي هذا التصعيد في إطار محاولة المجلس الانتقالي ومن ورائه الإمارات التنصل من تنفيذ اتفاقية الرياض التي رعتها المملكة لحل الخلاف بين الحكومة اليمنية والمجلس، التي لم يلتزم المجلس تنفيذ بنودها حتى الآن. فالانتقالي ينظر إلى تصعيد الحوثيين في مأرب فرصة للانقلاب على الاتفاقية والتنصل من تنفيذ بنودها، بخاصة الشق العسكري منها الذي يقضي بضم كل القوات العسكرية إلى الجيش اليمني الذي تقوده الشرعية، بخاصة مع انشغال الحكومة والجيش بقتال الحوثيين.

وفي هذا السياق صرح الناشط السياسي والدبلوماسي اليمني أنيس منصور لـTRT عربي بأن "موقف الانتقالي ومن ورائه الإمارات مع تحركات الحوثيين الأخيرة ضد مأرب يعبّر عن انسجام المشروعين وتكاملهما في الوقت ذاته. ففي حين يسعى الحوثيين للاستيلاء على كامل المناطق الشمالية في اليمن يسعى الانتقالي لاستغلال الوضع المحتدم عسكرياً في الشمال للعودة إلى مواصلة نشاطات المجلس التشطيرية للأراضي اليمنية".

وأضاف أن ما حدث من تصعيد قبل أيام في عدن ضد الحكومة الشرعية من قبل المجلس الانتقالي في 17 مارس/آذار الجاري الذي جرى من "خلال اقتحام مجاميع موالية للمجلس لقصر المعاشيق "مقر إقامة الحكومة الشرعية"، جاء بتعليمات وتخطيط إماراتي، إذ إن المجلس لا يستطيع التحرك أو ممارسة أي نشاط إلا من خلال إعطائه الضوء الأخضر من قبل الإمارات".

وأردف قائلاً: "تصعيد الانتقالي الأخير يأتي في إطار الصراع الإماراتي-السعودي الخفي، بخاصة بعد المصالحة الخليجية التي جمعت بين الفرقاء الخليجيين، تحديداً السعودي والقطري، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الإمارات ضد السعودية. فقرر النظام الإماراتي إرهاق السعودية واستنزافها باليمن بإعادة التصعيد في الجنوب والتماهي مع الحوثيين في الشمال".

وأضاف أن أكبر دليل على تماهي الإماراتيين مع المشروع الحوثي "عدم تحريك القوات التي تدعمها الإمارات لدعم الجيش اليمني والتحالف العربي ضد الحوثي مؤخراً، وبالأخص القوات المرابطة بالساحل الغربي التي تقع على خط التماس مع قوات الحوثيين المتمركزة في المنطقة".

وأضاف أن الأيام المقبلة "ستشهد تعاون حوثي مع المجلس الانتقالي، بدليل المناورة بين الطرفين، يظهر في الحقائق على أرض الواقع كتصعيد المجلس الانتقالي ضد الحكومة في الجنوب، بخاصة عندما يحدث تصعيد ضد الحوثيين من الجيش اليمني بالشمال، وأيضاً من خلال المغازلة بخطابات الطرفين تجاه بعضهما". بالإضافة إلى "حاجة الطرفين إلى بعضهما خصوصاً في المرحلة الراهنة من أجل تثبيت وجودهما على الأرض على حساب الحكومة الشرعية وبأي طريقة".

وهو ما أكده القيادي بالمقاومة الجنوبية عادل الحسني بحديثه مع TRT عربي بأن "التصعيد الأخير في عدن بداية لإثارة قلاقل بعاصمة اليمن المؤقتة عدن". وأضاف أن هذا "التصعيد جاء في إطار المناورة المتبادلة بين الحوثيين والمجلس الانتقالي لإسقاط الحكومة اليمنية. فالتحركات الحالية بعدن هدفها إرباك المشهد أمام الجيش اليمني أثناء خوضه معارك مصيرية في جهات القتال بمأرب وتعز وحجة وغيرها من المناطق اليمنية الشمالية".

المبادرة السعودية

وعلى صعيد متصل أعلنت الحكومة السعودية في 22 مارس/آذار الجاري عن مبادرة لحل الأزمة في اليمن جاءت على لسان وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان آل سعود وتتضمن وقفاً شاملاً لإطلاق النار تحت رعاية مراقبة أممية. وقد رحبت الأمم المتحدة بالإعلان السعودي عن الهدنة ودعت جميع الأطراف للقبول بها فوراً.

وقد جاء الإعلان من قبل الحكومة السعودية لا اليمنية المعترف بها دولياً، وهو ما يعني رغبة سعودية في وضع حد للحرب اليمنية التي طال أمدها وأحدثت الكثير من الخسائر في الأرواح والممتلكات خصوصاً بعد أن وصل الجميع إلى قناعة بأن الحل في اليمن لن يكون عسكرياً.

قد تشهد الأزمة اليمنية في المرحلة المقبلة تحولات دراماتيكية. فقد باتت خريطة التحالفات بين أطراف الصراع المدعومة من دول وقوى إقليمية تظهر على السطح، وتعكس في الوقت ذاته طبيعة الخلافات السياسية بين هذه الدول، من خلال التغير في المواقف والتوجهات لدى بعض أطراف الصراع في اليمن، كما هو الحال لدى المجلس الانتقالي وحركة الحوثيين. وعلى ما يبدو أن العلاقات بين السعودية والامارات في الوقت الراهن ليست في أفضل حالاتها، وهو الأمر الذي يبرهنه سير الأحداث الدائرة في المشهد السياسي اليمني.


TRT عربي