وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد يصافح وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان في أبو ظبي (Wam/Reuters)

حينها، كان هذا مؤشراً على أهمية الخطوة الدبلوماسية التي يراهن عليها نتنياهو من خلال هكذا زيارة. فالتطبيع مع دولة الإمارات كان يمثل درة التاج في الإنجاز الدبلوماسي لنتنياهو، حيث كان يأمل أن تمنحه بطاقة عبور هادئة إلى ولاية جديدة في رئاسة الوزراء. ولكن خاب ظنه.

بُعيد رحيله، بفترة وجيزة، قام وزير الخارجية الإسرائيلي في الحكومة الجديدة يائير لابيد بزيارة دولة الإمارات في أول رحلة خارجية له منذ تسلمه منصبه. وقد جرت العادة أن تكون الزيارة الأولى لأي حكومة جديدة تعبيراً عن أهمية هذه الوجهة لها، وانعكاساً لأبرز الملفات أو الأجندات التي سوف تضطلع بها في الفترة المقبلة. ويبدو أن حكومة بينيت لابيد الإسرائيلية الجديدة تولي علاقتها مع دولة الإمارات أهمية كبيرة كما كانت الحكومة السابقة تحت رئاسة نتنياهو.

تحمل الزيارة التطبيعية عدة رسائل متقاطعة. في البداية، وربما الأهم من بينها، تحاول إسرائيل أن تعيد للدبلوماسية زخمها من باب تحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي، وذلك على إثر المواجهات التي تحصل في الأراضي الفلسطينية، حيث أمعنت إسرائيل في انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني سواء في القدس من خلال عمليات التهجير القسرية ومصادرة الممتلكات أو تهديمها، أو من خلال الحرب الطاحنة على قطاع غزة واعتدائها السافر على المدنيين وتدمير البنى التحتية والأبراج، أو حتى من خلال سماحها المقصود لقطعان المستوطنين المتطرفين بالاعتداء على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في أراضي الــ48.

تحاول إسرائيل من خلال الدفع نحو تعزيز أواصر التطبيع مع بعض الدول العربية الظهور بمظهر الدولة الطبيعية في المنطقة، والمحبة للسلام، والمستعدة لإعطاء الدبلوماسية وعلاقات حسن الجوار الفرصة لمزيد من "عمليات السلام" التي من شأنها أن تنعكس إيجاباً على أمن واستقرار المنطقة. ولكن هذه الصورة سرعان ما تتحطم بالنظر إلى سياستها العنصرية والقمعية ضد الفلسطينيين، وحرمانهم الممنهج من حقوقهم بحياة كريمة على أراضيهم، ففي الوقت الذي كان لابيد يفتتح السفارة بتبريكات تلمودية واحتفالية توراتية، كانت معاول الآليات الإسرائيلية تهدم بيوت الفلسطينيين على رؤوسهم في القدس وضواحيها، هذا فضلاً عن الغارات الإسرائيلية المتقطعة على غزة في اختراق صارخ لاتفاقية وقف إطلاق النار التي تمت بين تل أبيب وفصائل المقاومة الفلسطينية برعاية مصرية.

على صعيد متصل، تحاول إسرائيل ومن خلال تعميق إجراءات التطبيع مع بعض الدول العربية وخصوصاً الإمارات إظهار حالة الاستمرارية في مسار استراتيجي يبدو أنه متفَق عليه بغض النظر عن شكل الحكومة ومن يقودها. ويبدو هذا المسار متمحوراً حول تعزيز العلاقات مع الدول العربية وفق ترتيبات اقتصادية وأمنية، وذلك هروباً من الاستحقاقات المترتبة على شروط الحل النهائي للصراع مع الفلسطينيين التي تفرض على إسرائيل الاعتراف بدولة فلسطينية على حدود 67، وتقاسم القدس، وعودة اللاجئين.

وزير خارجية إسرائيل يائير لبيد في حفل افتتحاح السفارة الإسرائيلية في أبو ظبي  (Reuters)

وتعبيراً عن استمرارية هذا المسار، فقد كان لافتاً الشكر الخاص الذي وجهه لابيد في معرض افتتاحه السفارة لكل من بنيامين نتنياهو، والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، على جهودهما في تذليل الصعاب نحو توقيع اتفاق أبراهام الذي مهد الطريق أمام إسرائيل لإقامة علاقات دبلوماسية مع الإمارات والبحرين وبعض الدول العربية الأخرى مثل المغرب والسودان.

في الأساس، قام اتفاق أبراهام على منطلقين مُؤسِّسين، هما إعادة دمج إسرائيل في المنطقة كدولة طبيعية من خلال اتفاقيات عسكرية وأمنية، وثانياً تشكيل تحالف عسكري بين إسرائيل والدول العربية لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. وللوصول إلى هذه الرؤية تم القفز عن ترتيبات الحل النهائي مع الفلسطينيين، حيث عملت الأطراف على اختزال حقوق الفلسطينيين بمجموعة من المتطلبات الاقتصادية والمعيشية دون الالتفات إلى جوهر المشكلة ألا وهو الاحتلال الإسرائيلي.

لقد تخلت بعض الأطراف العربية عن المبادرة العربية التي تفرض على إسرائيل إعطاء الفلسطينيين حقوقهم وحل الصراع معهم قبل أي عمليات تطبيع عربية معها، وهذا التوجه هو الذي تراهن عليه إسرائيل حالياً. فإسرائيل غير مستعدة وغير راغبة أبداً في التوصل إلى حل مع الفلسطينيين، وهي التي تتجه يوماً بعد يوم إلى مزيد من التطرف الديني، ولذلك وكنوع من الهروب إلى الأمام، والتهرب من استحقاقاتها كدولة احتلال، تسعى إلى تعزيز حزام الحماية العربية لها من خلال تعميق عمليات التطبيع. ففي السابق كان معيار التقارب مع إسرائيل أو البعد عنها ينبني على سياستها تجاه الفلسطينيين، اليوم لم يعد هذا المعيار قائماً، على الأقل لدى بعض الدول العربية وعلى رأسها الإمارات، وباتت قضايا أخرى هي المعيار وعلى رأسها التعاون الاستخباراتي والاقتصادي.

من جانبها، تحاول الإمارات من خلال تسريع إجراءات التطبيع مع إسرائيل إيجاد بدائل جديدة لها لتنفيذ مشاريعها التوسعية في المنطقة. فمن خلال العلاقة مع إسرائيل تضمن أبوظبي عدم حصول أي فيتو أمريكي على تحركاتها الإقليمية. كما أن العلاقة مع تل أبيب على الصعيدين العسكري والأمني من شأنها أن تغذي طموحات أبوظبي في المنطقة. فالتعاون بينهما في المجالات الاستخباراتية والتدريبات العسكرية أصبح واضحاً بشكل لا لبس فيه، ويبدو أن علاقة الإمارات المتدهورة مع محيطها العربي، تجعل من تقاربها مع إسرائيل حتمية سياسية لا رجعة فيها.

فتعزيز الإمارات تحالفها مع إسرائيل يأتي متزامناً مع تقارير إعلامية تتحدث عن التوتر المتصاعد بين أبوظبي والرياض حول عدة قضايا منها النفط، والتقارب مع قطر، والتطبيع مع إسرائيل. وإذا كان الجميع يعرف مقدار التحالف الذي كان يربط بينهما إبان ولاية الرئيس ترمب في العديد من الملفات كالحصار على قطر، فإن التوتر الحالي بين البلدين يعكس حاجة أبوظبي إلى البحث عن بدائل يمكن الاعتماد عليها، ويبدو أن خياراتها محدودة جداً لذلك لا ترى سبيلاً غير مسارعة الخطى نحو تل أبيب.

لقد أخفقت الإمارات في حصار قطر، كما باءت محاولاتها في تثبيت أركان حفتر في ليبيا بالفشل، في حين أن طموحاً في اليمن متذبذب إلى أبعد حد بسبب حالة الفوضى التي تعصف بالبلاد هناك، أما في تونس فمحاولاتها إقصاء التيار الإسلامي عن السلطة ما زالت متعثرة.

في المحصلة نحن أمام حلف المنبوذين، فالإمارات تتمتع بسجل حافل من انتهاك حقوق الإنسان، ودورها في الثورات المضادة لا يخفى على أحد، ولذلك فإن شعبيتها لدى الشارع العربي تكاد تكون في أدنى مستوياتها منذ استقلالها عن بريطانيا وقيام دولتها الحديثة، والأمر ذاته بالنسبة إلى إسرائيل الدولة التي قامت على اقتلاع شعب بأكمله من أرضه واحتلاله. لذلك فإن الطرفين المنخرطين في مثل هكذا حلف لا يجدان أمامهما إلا تعميق العلاقة بينهما، وذلك في ظل إحساسهما المشترك بالنبذ من جوارهما الإقليمي، فعلاقات الإمارات مع عُمان، واليمن، والسعودية، وقطر متوترة، ومع الكويت فاترة، في حين أن علاقة إسرائيل مع أقرب الدول لها جغرافياً الأردن متوترة، في حين أنها في حالة حرب غير معلنة مع كل من سوريا ولبنان.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي