دعوة الرئيس التركي لإعداد دستور جديد للبلاد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش داخل الأوساط السياسية في تركيا (AA)

"لقد حان الوقت لنتحرك من أجل إعداد دستور جديد، فإن مصدر مشكلات تركيا بالأساس هو الدساتير التي أعدّها الانقلابيون منذ عام 1960"، بهذه الكلمات فتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرحلة جديدة من النقاش الواسع داخل الأوساط السياسية في تركيا.

وعلى الرغم من أن الحديث عن دستور جديد للبلاد ليس وليد اللحظة، بل طرحه وناقشه معظم الأحزاب والقوى السياسية التركية في مناسبات عدة، فقد قوبِلت تصريحات أردوغان باهتمام كبير نظراً إلى توقيتها الذي ربما يستبق به زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم، خطوات اتخذتها المعارضة بشكل غير معلن في هذا الاتجاه بالفعل، حسبما يرى مراقبون.

نقطتان أساسيتان

خلال حديثه عن ضرورة انتقال تركيا إلى دستور جديد يختلف عن ذلك الذي أعده العسكر منذ دخول البلاد فترة الانقلابات بداية من عام 1960، شدّد أردوغان على نقطتين أساسيتين، تتمثل الأولى في أن الحكومة بدأت بالفعل إعداد دراسة شاملة لحزمة الإصلاحات التي تتضمن فلسفة وأهداف دستور تركيا الجديد، وأنها ستُعلن تلك الحزمة قريباً فور موافقة حزب "الحركة القومية"، شريك "العدالة والتنمية" في "تحالف الشعب الحاكم".

بخصوص هذه النقطة، لم يمضِ وقت طويل حتى جاء الرد من الحليف، إذ صرّح زعيم حزب الحركة القومية التركي دولت بهتشلي الثلاثاء، بأن البلاد فعلا بحاجة إلى دستور جديد، وأن حزبه يؤيد هذه الرؤية. وقال في بيان رسمي للحزب: "من الواضح أن تركيا بحاجة إلى دستور جديد، وإن هدف ومنظور وفكر حزب الحركة القومية يصبّ في هذا الاتجاه".

وأوضح بهتشلي أن "تحالف الشعب" الذي يجمعه مع حزب العدالة والتنمية الحاكم، سيؤدي المسؤوليات الملقاة على عاتقه، لإجراء التغييرات الدستورية من مبدأ احتضان وتوحيد الجميع.

أمّا النقطة الثانية، وربما الأكثر أهمية، التي شدّد عليها الرئيس التركي، فتتعلق بشرط شفافية النقاش بخصوص الدستور الجديد، وضرورة "أن يُعرَض لتقدير الشعب"، وقال صراحة إن "صياغة دستور ليست عملاً يمكن القيام به في الخفاء وتحت ظلّ الفئات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية، ومع أسماءٍ عقولُهم وقلوبهم منفصلة عن وطنهم".

مسألة الحفاظ على النظام الرئاسي ذي الهياكل الإدارية الموحّدة خط أحمر لن يسمح الرئيس أردوغان والتحالف الحاكم بالمساس به في أي دستور قادم

عبد القادر سلفي - كاتب تركي

خطوة استباقية

ويرى مراقبون أن النقطة الثانية تحديداً، تتعلق بتحركات سرية بدأتها أحزاب المعارضة المتحالفة في تحالف الأمة المعارض الذي يقوده حزب الشعب الجمهوري، لإعداد مقترح دستور جديد يكون أهم عناصره العودة إلى النظام البرلماني بدلاً من النظام الرئاسي الذي صوّتت غالبية الشعب التركي لصالحه في آخر استفتاء على تعديلات دستورية عام 2017.

في هذا الصدد يقول الصحفي التركي عبد القادر سلفي في مقال نشرته صحيفة "حرييت"، إن تصريحات أردوغان جاءت بهدف سحب البساط من تحت أقدام أحزاب المعارضة "التي كانت تستعد لتشكيل لجنة دستورية مشتركة لإعداد دستور جديد تنتقل بموجبه البلاد مجدداً إلى النظام البرلماني".

ويلفت سلفي كذلك إلى أن أردوغان في حديثه عن الأطراف التي تربطها علاقة بالتنظيمات الإرهابية ربما كان يقصد "حزب الشعوب الديمقراطي" المتهم بالتعامل مع تنظيم PKK الإرهابي، ويهدف إلى إيصال رسالة مفادها: "بدلاً من نقاشات بئر السلم، دعونا نعد دستوراً جديداً مدنياً تحت قبة البرلمان الذي يُعَدّ الأرضية الشرعية" للبلاد.

ووفقاً لسيلفي، يُعد التوقيت الذي خرج فيه أردوغان بمقترحه مثالياً، نظراً إلى الانقسامات التي يشهدها مؤخراً حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، وإن كان زعيم الحزب كمال قليجدار أوغلو حسبما يشير سيلفي، ربما يأمل أن يتفادى تلك المشكلة عبر توسيع دائرة تحالفاته مع أحزاب جديدة.

في السياق نفسه، يرى الصحفي التركي أن مسألة الحفاظ على النظام الرئاسي ذي الهياكل الإدارية الموحّدة، قد تكون بمثابة خطاً أحمر لن يسمح الرئيس أردوغان والتحالف الحاكم بالمساس به في أي دستور قادم، وبالتالي فإن تلك النقطة من المرجَّح أن تصبح نقطة الخلاف الرئيسية بين السلطة والمعارضة خلال الفترة المقبلة.

ليس وليد اللحظة

في أول تعليق له على مقترح رئيس الجمهورية، وصف وزير العدل التركي عبد الحميد غُل تصريحات أردوغان بأنها "بشرى باعثة لحماسة الجميع"، مضيفاً في تغريدة، أن "إعداد دستور مدني وديمقراطي جديد أحد الأهداف الرئيسية لإصلاحنا القانوني، وسيكون أثمن إرث نتركه لمستقبلنا وأطفالنا".

ولم يكن مستغرباً أن يتلقف المسؤولون والساسة الأتراك دعوة أردوغان بحماس، وسبب ذلك ببساطة أن ذلك النقاش ليس جديداً، فبعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، كان إعداد دستور جديد في مقدمة الموضوعات التي نوقِشت.

ووقتها شُكّلت لجنة عُرِفت بـ"لجنة المصالحة الدستورية"، بعضوية ممثلين عن الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان، حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديمقراطي. وعقدت اللجنة أول اجتماع لها في فبراير/شباط 2016، ولكن المحاولة الانقلابية الفاشلة التي وقعت في يوليو/تموز من العام نفسه، وقفت عمل اللجنة التي حُلّت بمرور الزمن.

وفي تصريحاته الأخيرة قال أردوغان: "كنا قدّمنا سابقاً مبادرة لصياغة دستور جديد، لكن لم نصل إلى نتيجة بسبب رفض حزب الشعب الجمهوري (المعارض)، والآن حان الوقت مجدداً لنقاش دستور جديد لتركيا".

يُذكر أن الاستفتاء الذي جرى عام 2017، على تعديل 18 مادة من الدستور تَحوَّل نظام الحكم في تركيا بموجبها، من النظام البرلماني إلى الرئاسي، كان بمثابة تعبير صريح عن ضرورة الأمر، وإن لم تكن الخطوة على ما يبدو كافية لإصلاح جذري، حسبما يشير أردوغان: "طبعاً عندما نتحدث عن الإصلاح، فإننا نعني تغييراً حقيقياً، يتوافق مع الظروف المتغيرة للعالم وتركيا ويلبّي احتياجات وتطلعات شعبنا".

وشهدت تركيا استفتاءات شعبية متعددة على الدستور في تاريخها منذ عام 1923، فقد أُجريت جميع الاستفتاءات الشعبية على تعديلات دستورية، إما في ظلّ حكم العسكر الانقلابيين، وإما في ظل حالات الأحكام العرفية والطوارئ، باستثناء ثلاثة استفتاءات حصلت في ظلّ حكم حزب العدالة والتنمية المنتخَب من الشعب في أعوام 2007 و2010 و2017.

TRT عربي
الأكثر تداولاً