لافتة خارج مكتب Google بالقرب من مقر الشركة في ماونتن فيو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة. (Others)
تابعنا

تنضمّ أرييل كورين إلى قائمة المستقيلين من عمالقة الشركات التكنولوجية اعتراضاً على انتهاكها المستمرّ للمدونات الأخلاقية التي وضعتها. هذه المرة كانت الاستقالة بسبب ما أثير حول برنامج Nimbus، وهو مشروع تعاون تكنولوجي تَقدَّم بين السلطات الإسرائيلية وشركتَي غوغل وأمازون، يرى فيه نشطاء لحقوق الإنسان وسيلة قد تستخدمها إسرائيل لتعزيز قمعها وتمييزها ضد الفلسطينيين.

اللافت أن هذه الاستقالة تأتي بعد أيام من فضيحة تويتر التي سبّبتها تسريبات أحد أبرز القراصنة في العالم ويُدعى بيتر زاتكو. وعلى الرغم من أن زاتكو لم يستقِلْ بل يبدو كأنه أُقيلَ من منصبه داخل الشركة رئيساً لفريق الأمن السيبراني، فإن تسريباته لاحقاً أثبتت أن سبب هذه الإقالة هو اعتراضه الواسع والعريض على سياسات الحماية والخصوصية التي تتبعها الشركة والتي تعاني العجز والقصور، الأمر الذي يعرّض أمن معلومات ملايين المستخدمين للخطر.

تعمّق هذه الاستقالات (أو حتى الإقالات) الانطباع الذي بات يترسخ حول أن شركات تكنولوجيا المعلومات تفضل الربح والعقود التجارية على أمن وسلامة البيانات الشخصية للمستخدمين، وأن هذه الشركات لا تعاني نزعات تأنيب الضمير في تعريض حياة وسلامة المستخدمين للخطر في سبيل زيادة الأرباح والتوسع والاستحواذ.

السنة الماضية استقالت مديرة قسم النزاهة في شركة فيسبوك فرانسيس هوغن، جراء تقاعس الشركة عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المراهقين من تأثير تطبيقات السوشيال ميديا (تحديداً تطبيق إنستغرام) بعد أن كشفت دراسات داخلية أجرتها الشركة أن هذه التطبيقات تضرّ بالصحة النفسية والعقلية للمراهقين، إذ عبّر 40 بالمئة من المراهقات عن انزعاجهن من أجسادهن بسبب إدمانهن على استخدام تطبيق إنستغرام.

وقبل ذلك بسنوات استقال تريستان هاريس، المدير السابق لأخلاقيات التصميم في شركة غوغل، الذي ساهم لاحقاً في تأسيس مركز التكنولوجيا الإنسانية، لعدم إدراج الشركة على أجندتها أيَّ شيء ذي علاقة بالتداعيات الإدمانية لخدماتها التي باتت تشكّل هُويَّة الإنترنت مثل محرّك البحث Google والبريد الإلكتروني Gmail.

منذ سنوات يعيش عالم التكنولوجيا حالة من الهياج والسعار يتعلق بكمّ هائل من الشكاوى والفضائح وسرقة البيانات والقرصنة وإدمان التكنولوجيا والأخبار المزيفة والاستقطاب السياسي واختراق الانتخابات والتضليل وخطاب الكراهية وغيرها. لقد سيطر هذا الخطاب المليء بالسلبية والسوداوية على حد سواء على فضاءات التكنولوجيا. لقد كانت الإنترنت في السابق أملاً لعصر جديد تسود فيه الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحرية، ولكن مع مرور الوقت تحولت إلى النقيض تماماً وباتت أداة لممارسة القمع والتهميش والإيذاء.

بالعودة إلى أرييل كورين، فإن استقالتها من شركة غوغل تُعَدّ آخر مسلسلات فضائح القطاع التكنولوجي، ولكنها لن تكون الأخيرة. وقبل الخوض في سبب هذه الاستقالة، يجب التذكير بأن حالة كورين تذكّر بأن "الأخلاقيين التكنولوجيين" أو من بات يُطلَق عليهم "التكنولوجيون المتحمسون أو الطوباويون"، ما زالوا موجودين، وأن هذه الحالة ربما هي الأمل الوحيد المتبقي لإعادة مسار التكنولوجيا إلى جادة الصواب والعمل على خدمة الإنسان بدل تدميره. إنه الأمل الذي يمكن أن يقف في وجه عمالقة الشركات التكنولوجية التي أسهم سعيها الشره للربح في إفساد المسار الأخلاقي للتكنولوجيا برمّته.

لقد استقالت كورين لأمرين مرتبطين، كان أحدهما سبباً للآخر. فقد اشتكت كورين التهميش والقمع الذي باتت تتعرض له في الشركة إثر رفع صوتها اعتراضاً على استمرار تعاون الشركة مع السلطات الإسرائيلية عبر برنامج Nimbus، الذي يوفر لأجهزة الأمن الإسرائيلية مزيداً من القدرة على رصد ومراقبة الفلسطينيين وتعريض حياتهم وحقوقهم الإنسانية للخطر. وادّعت كورين أن الشركة في محاولة لإسكات صوتها اتخذت سياسات عقابية وانتقامية تمثلت بتخييرها بين الاستقالة والانتقال إلى مقرّ الشركة في البرازيل، وهو ما أنكرته الناطقة باسم غوغل بطبيعة الحال. وترى كورين أن هذه السياسة تناقض المبادئ الأساسية التي قامت عليها الشركة تجاه حرية التعبير.

ما تقصده كورين هنا أن شركة غوغل تمارس نوعاً من الانضباط من خلال العقاب والمراقبة من أجل إنتاج "موظف سهل الانقياد". تعزّز هذه السياسة ما بات يُعرف بـ"المراقبة الذاتية"، لتجنب الوقوع في أي نوع من أنواع العقاب من ناحية، ولالتماس الحماية الذاتية وتجنُّب المشكلات من ناحية أخرى. وهو ما ألمحت إليه كورين في حوارها مع موقع wired عندما صرحت بأنها تجرأت على رفع صوتها (وهي موظفة من أصول يهودية) على عكس زملائها من أصول فلسطينية خوفاً من المساءلة أو لعدم تمتعهم بهذا الامتياز على عكس نظرائهم الغربيين. ترى كورين أن هذه السياسة انتهاك صارخ للمبادئ الأخلاقية التي وضعتها غوغل بنفسها، خصوصاً بيانها لمبادئ الذكاء الصناعي الذي أكدت فيه أنها تقدّر الديمقراطية و"يمكنها جني الأموال دون فعل الشر".

الشرّ هنا كما تراه كورين، الذي يُعَدّ السبب الأساسي في تقديم استقالتها، أن شركة غوغل من خلال تعاونها التكنولوجي مع إسرائيل ستعرّض ملايين الفلسطينيين للخطر. فوفقاً لتقرير نشره موقع The Intercept فإن مشروع Nimbus سيمكّن إسرائيل من اكتشاف والتعرف على الوجه، والتصنيف الآلي للصور، وتتبع الأشخاص، وحتى تحليل المشاعر التي تدعم تقييم المحتوى العاطفي للصور والكلام والكتابة. ولنا أن نتخيل كيف ستصبح حياة الفلسطيني في الأراضي المحتلة إذا ما بات يُحاسَب على مشاعره التي يبديها دعماً لقضايا وطنه والتي تُصنَّف عند الطرف الآخر (إسرائيل) إرهاباً أو تخريباً يعاقب عليه القانون بالحبس والاعتقال والتنكيل.

وفي الوقت الذي تمتلك فيه إسرائيل تكنولوجيتها الخاصة في المراقبة والتتبع، فإن تعاونها مع كل من غوغل وأمازون من خلال برنامج Nimbus (تكلفته 1.2 مليار دولار) من شأنه أن يفتح لإسرائيل احتمالات أوسع في تشديد قبضتها على الفلسطينيين.

ومن اللافت أن كورين وزملاءها المعترضين على هذا النوع من التعاون حاولوا صياغة روايتهم بعيداً عن مفاهيم "الاحتلال" وغيرها من خلال تبنّي مصطلحات تحظى بشيء من إجمال أوسع في الرأي العامّ الغربي مثل نظام الفصل العنصري. ومن هنا فهم يستشهدون بتقارير لمنظمات حقوقية دولية وأخرى محلية مثل منظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة "بتسيلم" والتي اتهمت إسرائيل رسميا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من خلال الحفاظ على نظام الفصل العنصري ضد الفلسطينيين.

رغم أن كورين قد جمعت توقيع 700 موظف من غوغل على عريضتها للاحتجاج على هذا التعاون بين غوغل وإسرائيل هذا فضلا عن 25 ألف من خارج غوغل إلا أن الإدارة التنفيذية للشركة لم تلق لهم بالا على عكس مرات سابقة عندما راجعت الشركة بعض عقودها التجارية مع بعض الحكومات كالحكومة الأمريكية وانسحبت من مشاريع مثيرة للجدل مثل مشروع Marven.

استقالت كورين لاحقا، وهو إشارة إلى أن الشركة غير معنية بمراجعة هذا النوع من التعاون مع إسرائيل. وإذا كانت الأسباب التجارية واضحة من خلال عقود بمئات الملايين، فإن أسباب أخرى تعود إلى قوة اللوبي الإسرائيلي داخل غوغل والذي استطاع سابقا أن يجبر إدارة الشركة على تقديم اعتذار رسمي إثر تبرعها لحملة Black Live Matter تحت دعوى معاداة السامية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي